عضو لجنة الاقتصاد الرقمي والريادة النيابية في حديثه إلى الرأي
التطرف الرقمي.. تهديد يتجاوز نشر الأفكار إلى تزوير الحقائق

عضو لجنة الاقتصاد الرقمي والريادة النيابية في حديثه إلى الرأي
التطرف الرقمي.. تهديد يتجاوز نشر الأفكار إلى تزوير الحقائق
أكد النائب المهندس حسين كريشان، عضو لجنة الاقتصاد الرقمي والريادة النيابية، أن حماية الوعي الرقمي أصبحت جزءا أساسيا من حماية الأمن الوطني والسلم المجتمعي، في ظل تنامي مخاطر التطرف الإلكتروني والإشاعات والمعلومات المضللة، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق للتأثير على الرأي العام، مشدداً على أهمية بناء منظومة وطنية متكاملة تعزز الوعي المجتمعي، وتحمي الحقوق والحريات، وترسخ الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
وقال كريشان في حديثه إلى (الرأي)، إن مواجهة هذه التحديات تتطلب تكامل الأدوار بين المؤسسات الرسمية والتشريعية والتربوية والإعلامية، والانتقال من وضع الاستراتيجيات إلى متابعة تنفيذها وقياس أثرها، بما يعزز قدرة المجتمع على التحقق من المعلومات والتصدي للتضليل، ويحافظ على وحدة المجتمع واستقراره.
وقال كريشان إن الفضاء الإلكتروني لم يعد مجرد مساحة للتواصل وتبادل المعلومات، بل أصبح مجالا مؤثرا في أمن المجتمعات واستقرارها، ويمكن استغلاله لنشر التطرف والتحريض وخطاب الكراهية والإشاعات والمعلومات المضللة، الأمر الذي يجعل حماية الوعي مسؤولية وطنية مشتركة، تتجاوز المعالجة الأمنية والتقنية إلى الوقاية والتوعية وبناء المناعة المجتمعية.
وأضاف أن خطورة التطرف في البيئة الرقمية لا تقتصر على نشر الأفكار المتشددة أو محاولات التجنيد، بل تمتد إلى توظيف المنصات الرقمية والخوارزميات والذكاء الاصطناعي في التأثير على الوعي العام، والتلاعب بالمعلومات، وصناعة محتوى مضلل، واستخدام الصور والتسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو المصطنعة وتقنيات التزييف العميق لانتحال الشخصيات أو تزوير التصريحات أو تقديم أحداث لم تقع على أنها حقائق.
الإشاعات والمعلومات المضللة وتحديات الفضاء الرقمي
وأشار إلى أن الإشاعات والمعلومات المضللة تمثل تحدياً متزايداً، لا سيما في أوقات الأزمات والأحداث الحساسة، لما قد تسببه من إرباك للمجتمع، وإضعاف الثقة بالمؤسسات، وإثارة الانقسامات، مؤكداً أن خطورة المعلومة المضللة لا تكمن فقط في مضمونها، بل أيضاً في سرعة انتشارها وتوقيت تداولها والجهة التي تستفيد من آثارها.
وفي هذا السياق، استشهد كريشان ببيانات مرصد مصداقية الإعلام الأردني «أكيد»، الذي سجل 133 إشاعة خلال شهر تشرين الأول 2026، مقارنة بـ94 إشاعة خلال أيلول، بارتفاع نسبته نحو 41 بالمئة. وأظهرت البيانات تسجيل 34 إشاعة سياسية و34 أمنية، فيما استحوذت منصات التواصل الاجتماعي على 83 إشاعة، بما يقارب 62 بالمئة من الإجمالي، مقابل 50 إشاعة عبر وسائل الإعلام.
كما أظهرت البيانات أن 49 إشاعة، بنسبة تقارب 37 بالمئة، صدر بشأنها نفي أو توضيح من الجهات المعنية، مقابل 84 إشاعة لم يرصد بشأنها نفي خلال فترة الرصد.
وأكد أن هذه المؤشرات تستدعي قراءة مؤسسية تتجاوز إحصاء عدد الإشاعات، إلى دراسة طبيعة المحتوى المتداول، ومصادره، وسرعة انتشاره، ومدى جاهزية المؤسسات للاستجابة، وقدرتها على تقديم المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب.
فالمعلومة الصحيحة إذا تأخرت، تترك مساحة للمعلومة المضللة كي تنتشر؛ والاتصال المؤسسي الفاعل ليس مجرد إجراء إعلامي، بل جزء من حماية الثقة العامة.
الوعي الرقمي خط الدفاع الأول عن المجتمع
وشدد كريشان على أن الوعي الرقمي يمثل أحد أهم خطوط الدفاع في مواجهة هذه التحديات، فالمواطن القادر على التحقق من المعلومات، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والمحتوى المصطنع، والمدرك لمخاطر التحريض وخطاب الكراهية، يشكل شريكاً أساسياً في حماية المجتمع.
وأضاف أن المسؤولية لا تقع على المواطن وحده، بل تتحمل المؤسسات الرسمية مسؤولية أساسية في المبادرة إلى تقديم المعلومة الدقيقة، وتوضيح الحقائق، والاستجابة السريعة للمعلومات المضللة، وتعزيز الشفافية والتواصل الفاعل مع المواطنين؛ فالمعلومة الموثوقة التي تصل في الوقت المناسب تحاصر الشائعة، وتحد من استغلال الفراغ المعلوماتي، وتعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وأوضح أن التعامل مع هذه التحديات يتطلب التمييز بين مفاهيم متداخلة لكنها ليست متطابقة؛ فالأمن السيبراني يُعنى بحماية الشبكات والأنظمة والبيانات من الاختراق والهجمات، والوعي الرقمي يرتبط بقدرة الأفراد على الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا والتحقق من محتواها، أما حماية السلم المجتمعي في الفضاء الإلكتروني فتتطلب مواجهة التحريض والكراهية والتضليل، ومنع استغلال المنصات للإضرار بوحدة المجتمع واستقراره.
حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات
وأكد أن مواجهة هذه الظواهر يجب ألا تكون على حساب الحريات الدستورية أو الحق في التعبير، فهناك فارق واضح بين النقد المشروع والاختلاف في الرأي، وبين التحريض على العنف والكراهية والتمييز. والمطلوب هو حماية المجتمع في إطار سيادة القانون، وصون الخصوصية والحقوق والحريات، وعدم الخلط بين مكافحة التضليل ومراقبة آراء المواطنين أو تصنيف مواقفهم.
وشدد على أن أي إجراءات للرصد أو التعامل مع المحتوى المخالف يجب أن تستند إلى أساس قانوني واضح، ومعايير محددة وضمانات تمنع إساءة استخدام التقنيات الرقمية أو المساس بالبيانات الشخصية، وبما يحقق التوازن بين حماية المجتمع واحترام الحقوق الدستورية.
الاستراتيجيات الوطنية من التخطيط إلى قياس الأثر
وفي هذا الإطار، أوضح كريشان أن لجنة الاقتصاد الرقمي والريادة النيابية معنية بتناول هذا الملف من منظور تشريعي ورقابي وسياساتي متكامل، من خلال دراسة مدى كفاية التشريعات الناظمة للبيئة الرقمية والأمن السيبراني وحماية البيانات الشخصية، ومتابعة السياسات الحكومية ومدى فاعلية تنفيذها، وتقييم أداء المؤسسات المعنية ضمن اختصاصاتها.
وأضاف أن المطلوب ليس الاكتفاء بتشخيص التحديات، بل الانتقال إلى مراجعة ما هو قائم وتقييم أثره، وفي مقدمة ذلك الاستراتيجية الوطنية الثانية لنشر الدراية الإعلامية والمعلوماتية 2026–2029، والاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني 2025–2028، ومدى التكامل بينهما، ومستوى تنفيذ برامجهما، ووضوح الأدوار والمسؤوليات ومؤشرات قياس الإنجاز.
وأشار إلى أن البرنامج التنفيذي للاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني يتضمن 42 برنامجاً تنفذ من خلال 51 مشروعاً، الأمر الذي يجعل متابعة مستوى الإنجاز، وقياس الأثر، والتحقق من فاعلية التنفيذ، وتحديد المسؤوليات المؤسسية، من الأولويات التي تستحق المتابعة والتقييم.
وأكد كريشان أن الأردن يمتلك بالفعل استراتيجيات وطنية وبرامج تنفيذية في مجالي الدراية الإعلامية والمعلوماتية والأمن السيبراني، الأمر الذي يجعل الأولوية في المرحلة المقبلة لمتابعة مستوى تنفيذ هذه البرامج، وقياس أثرها، والتحقق من تكامل أدوار المؤسسات المعنية، وتحديد مواطن القوة والفجوات التي تحتاج إلى معالجة، وصولاً إلى منظومة وطنية متكاملة لا تكرر الجهود، بل توحدها وتوجهها نحو نتائج ملموسة.
الشراكة المؤسسية وتعزيز الوعي المجتمعي
وأشار إلى أهمية تفعيل التنسيق بين الجهات المعنية، والاستفادة من الفريق الوطني للدراية الإعلامية والمعلوماتية، وتعزيز الشراكة بين المؤسسات الرسمية والجامعات والمدارس والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يضمن وصول برامج التوعية إلى مختلف فئات المجتمع، وعدم بقائها محصورة في المبادرات الموسمية أو الحملات المؤقتة.
وأكد أن الدور النيابي في هذا المجال يتطلب فتح حوار مؤسسي مع الجهات المختصة والخبراء، وعقد جلسات استماع تناقش واقع برامج التربية الإعلامية والرقمية في المدارس والجامعات، وجاهزية المؤسسات للاستجابة للشائعات والمعلومات المضللة، وآليات التحقق والتصحيح، ومدى فاعلية التشريعات والضمانات المتعلقة بالخصوصية والحريات.
وأضاف أن هذه الحوارات ينبغي أن تفضي إلى توصيات قابلة للتنفيذ والمتابعة، تتضمن تحديد المسؤوليات، ووضع مؤشرات واضحة لقياس مستوى الوعي الرقمي، وسرعة الاستجابة المؤسسية، وفاعلية البرامج التوعوية، ومدى الالتزام بحماية البيانات والحقوق والحريات، مع متابعة دورية لما يتحقق على أرض الواقع.
ولفت إلى أن الأمن الرقمي لا يقتصر أثره على حماية الأفراد والمؤسسات، بل يمتد إلى تعزيز الثقة بالبيئة الاستثمارية، وحماية البيانات والأصول الرقمية، وتهيئة بيئة آمنة لنمو الشركات الريادية والاستثمارات التكنولوجية، بما يدعم تنافسية الاقتصاد الوطني ويوسع فرص العمل في القطاع الرقمي.
وشدد على أن بناء الوعي مسؤولية تكاملية تبدأ من الأسرة، باعتبارها البيئة الأولى في تشكيل سلوك الأبناء، وتمتد إلى المدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية والجهات التقنية والأمنية، بما يعزز التفكير النقدي لدى الشباب، ويرسخ قيم الاعتدال والتسامح واحترام الاختلاف والمسؤولية في استخدام التكنولوجيا.
حماية الوعي حماية للوطن
وختم كريشان بالتأكيد أن مواجهة التطرف والتضليل في الفضاء الإلكتروني لا تُحسم بحذف المحتوى أو ملاحقة الحسابات وحدها، وإنما ببناء مجتمع يمتلك الوعي والقدرة على التمييز والتحقق، ومؤسسات تمتلك المصداقية وسرعة الاستجابة، وتشريعات تحقق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات.
وقال إن قوة الأردن لا تُقاس فقط بقدرته على حماية حدوده ومؤسساته، بل أيضاً بوعي أبنائه وتماسك مجتمعه وثقتهم بدولتهم؛ فحماية الوطن في العصر الرقمي لا تكون بالأمن وحده، ولا بالتوعية وحدها، وإنما بتكامل مؤسسات قوية، ومجتمع واعٍ، وقانون يحمي الحقوق والحريات.
فحماية الوعي حماية للوطن، وصون وحدة المجتمع مسؤولية وطنية لا تقبل التأجيل.
لديك معلومات إضافية عن هذا الخبر؟ارسل خبراً
اطرح سؤالاً عن هذا التقرير — الإجابات تستند إلى نصّه.
أسئلة مقترحة