هل وجدت نفسك يوما تعيد مشاجرة قديمة في ذهنك، وتتخيل ردودا لم تقلها، أو تستعد لمواجهة لم تحدث بعد؟ هذه الحوارات الداخلية شائعة بين كثير من الناس، وقد تكون وسيلة لترتيب الأفكار والاستعداد للمواقف الصعبة، لكنها قد تتحول مع التكرار إلى عبء نفسي يستنزف الطاقة ويزيد التوتر.
لماذا نصنع مشاجرات في عقولنا؟
يطلق الباحثون في علوم الاتصال والاجتماع على هذه الظاهرة اسم «التفاعلات المتخيلة» (Imagined Interactions)، وهي محادثات ذهنية يجريها الإنسان مع أشخاص يعرفهم، سواء لاستعادة مواقف سابقة أو الاستعداد لمواقف محتملة في المستقبل.
ولا تعد هذه الحوارات سلبية بالضرورة، إذ يمكن أن تؤدي وظائف نفسية واجتماعية متعددة، أبرزها:
التدرب على التواصل والاستعداد للمحادثات الصعبة.
فهم المشاعر والأفكار الشخصية.
محاولة حل الخلافات وإيجاد طرق للتعامل معها.
التعبير عن مشاعر لم يتمكن الشخص من إظهارها في الواقع.
فقد يتخيل الموظف حوارا مع مديره استعدادا لطلب زيادة في الراتب، بينما يعيد شخص آخر نقاشا مع شريك حياته، محاولا قول ما لم يستطع التعبير عنه أثناء الخلاف.
وترتبط هذه الظاهرة أحيانا بمشاعر غير محسومة أو كلمات لم تجد طريقها إلى الواقع، فيحاول العقل استكمال الحوار بحثا عن نهاية أكثر إرضاء.
كما قد يكون الخوف من الرفض الاجتماعي أحد أسبابها، إذ ينشغل الإنسان بتحليل تصرفات الآخرين ونظراتهم وصمتهم، محاولا معرفة ما إذا كان قد تعرض للإحراج أو فقد تقديرهم.
عندما يبدو الخيال وكأنه حقيقة
قد يؤدي تكرار تخيل موقف معين إلى زيادة الشعور باحتمال حدوثه، حتى في غياب أي مؤشرات واقعية تدعم هذا الاعتقاد.
وفي دراسة أجراها باحثون من جامعة هارفارد، ونشرتها مجلة علم النفس التجريبي، طُلب من 30 مشاركا تخيل أحداث اجتماعية مستقبلية، بعضها إيجابي وبعضها سلبي أو محايد، ثم إعادة تخيل بعض هذه الأحداث أربع مرات.
وأظهرت النتائج أن تكرار تخيل المواقف المشحونة عاطفيا زاد تقدير المشاركين لاحتمال وقوعها، مقارنة بالمواقف المحايدة. وارتبط ذلك بسهولة استحضار تفاصيل الحدث وشدة الانفعال المصاحب له.
ولا يعني ذلك أن التفكير في حدث ما يجعله يقع بالفعل، وإنما يشير إلى أن تكرار السيناريوهات العاطفية قد يجعلها تبدو أكثر واقعية واحتمالا في نظر الإنسان.
فالشخص الذي يتخيل باستمرار تعرضه للإهانة من زميل في العمل، مثلا، قد يصبح أكثر ترقبا للعدائية خلال اللقاءات المقبلة، حتى دون وجود دليل حقيقي على ذلك.
متى يتحول التفكير إلى اجترار مرهق؟
ليس كل تفكير متكرر أمرا ضارا؛ فهناك فرق بين مراجعة الموقف بهدف فهمه واستخلاص الدروس منه، وبين الوقوع في دائرة الاجترار الذهني (Rumination).
فالتفكير البنّاء يساعد على فهم ما حدث، واكتشاف الأخطاء، والوصول إلى حلول أو قرارات جديدة. أما الاجترار فيعني العودة المستمرة إلى الأفكار والمشاعر السلبية نفسها، دون تحقيق تقدم حقيقي.
وقد أوضحت أستاذة علم النفس السريري شانون ساور زافالا أن الاجترار قد يبدو وكأنه محاولة لحل المشكلة، بينما يؤدي في الواقع إلى إبقاء مشاعر الانزعاج والضيق حاضرة.
وتكمن صعوبة هذه العادة في أن التفكير المتكرر قد يمنح صاحبه أحيانا إجابة مفيدة أو ردا يرضيه، ما يشجعه على مواصلة البحث عن إجابات أخرى، حتى عندما يصبح الأمر مرهقا.
كما كشفت مراجعة علمية شملت 35 دراسة عن وجود ارتباط متوسط بين الاجترار بشأن المواقف الاجتماعية بعد انتهائها وأعراض القلق الاجتماعي، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود علاقة سببية مباشرة بينهما.
وتشير أبحاث تناولها تقرير لجامعة إكستر البريطانية إلى أن طريقة التفكير في المواقف المزعجة تؤثر في نتائج مراجعتها؛ فالتركيز على تفاصيل ما حدث وكيفية التعامل معه قد يكون مفيدا، بينما تؤدي الأسئلة العامة مثل «لماذا يكرهني الجميع؟» أو «ماذا يقول هذا الموقف عن شخصيتي؟» إلى تعميم تجربة واحدة على الحياة والعلاقات بأكملها.
كيف تتخلص من الشجارات التي لا تنتهي في رأسك؟
التعامل مع الحوارات المتخيلة لا يتطلب قمع الأفكار أو إنكار المشاعر، بل تحويلها من دائرة مغلقة إلى تفكير عملي يساعد على اتخاذ خطوات واضحة.
ومن الطرق التي يمكن الاستعانة بها:
1. حوّل التفكير إلى سؤال عملي
بدلا من إعادة المشاجرة ومحاولة ابتكار الرد المثالي، اسأل نفسك: ما الذي أحتاج إلى فعله الآن؟ وهل هناك خطوة واقعية يمكن اتخاذها لحل المشكلة؟
2. اكتب ما تشعر به
يمكنك تدوين مشاعرك أو كتابة رسالة إلى الشخص المعني دون إرسالها. وتساعد هذه الطريقة على ترتيب الأفكار والتعبير عن المشاعر المكبوتة، بشرط ألا تتحول الكتابة إلى إعادة متكررة للألم نفسه.
3. خصص وقتا للقلق والتفكير
توصي هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية بتخصيص فترة تتراوح بين 10 و15 دقيقة يوميا لتدوين المخاوف والتفكير في الحلول الممكنة. وإذا عادت الأفكار خارج هذا الوقت، حاول تأجيلها والعودة إلى نشاطك الحالي.
4. انظر إلى الموقف من زاوية أوسع
لا يعني الابتعاد النفسي عن المشكلة تجاهلها أو التقليل من أثرها، بل محاولة النظر إليها بمسافة تسمح بفهمها دون الانغماس الكامل في مشاعرها. ويساعد هذا الأسلوب على رؤية الخلاف في سياقه الأوسع بدلا من التعامل معه باعتباره أزمة تسيطر على الحياة كلها.
5. اطلب المساعدة عند الحاجة
إذا أصبحت الحوارات المتكررة تؤثر في نومك أو تركيزك أو علاقاتك اليومية، واستمررت في مواجهتها رغم محاولاتك لإيقافها، فقد يكون التحدث إلى اختصاصي نفسي خطوة مهمة.
في النهاية، ليس المطلوب أن تمنع عقلك من استعادة المواقف أو تخيل الحوارات، بل أن تتعلم متى يكون التفكير مفيدا ومتى يتحول إلى استنزاف. فليس عليك أن تنتصر في كل مشاجرة تدور في رأسك، خصوصا تلك التي لم تحدث من الأساس.