من هذه الزاوية، ينبغي قراءة الاعتداء الإرهابي الذي شهدته العاصمة عمّان، وأسفر عن استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة وإصابة أحد ضباط الأمن العام أثناء التصدي للمعتدي وإلقاء القبض عليه. إنها جريمة موجعة في وجدان الأردنيين، واعتداء على رجال نذروا أنفسهم لحماية الوطن ومواطنيه، لكنها في الوقت ذاته تضع أمام الدولة والمجتمع مسؤولية إدراك أبعاد اللحظة، والتعامل معها بما تقتضيه من حزم ويقظة واتزان.
إن الأردن، في ظل التحولات الأمنية والسياسية التي تشهدها المنطقة، يدرك أن الاستقرار ليس معطى مضموناً، وأن حماية الدولة تتطلب يقظة مستمرة، ومؤسسات عالية الجاهزية، وقيادة تمتلك وضوح الرؤية في التعامل مع مصادر التهديد. وهنا تبرز أهمية النهج الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حيث يحتل أمن الأردن وسيادته واستقراره موقعاً ثابتاً في أولويات الدولة، باعتبارها ركائز لا تقبل المساومة أو التراجع.
فجلالة الملك لا ينظر إلى أمن المملكة باعتباره استجابة لظرف طارئ، بل باعتباره مسؤولية استراتيجية متصلة بمستقبل الدولة ومكانتها وقدرتها على صون مصالحها الوطنية وسط إقليم تتزايد فيه التعقيدات. ومن هذه الرؤية تستمد المؤسسات الوطنية اتجاهها، وتستند في أداء واجباتها إلى مرجعية واضحة تجعل حماية المواطن وسيادة القانون وصيانة الاستقرار مسؤوليات متكاملة لا تقبل التجزئة.
إن ما يميز الدولة الراسخة ليس ادعاء قدرتها على منع كل تهديد، وإنما امتلاكها القدرة المؤسسية على التعامل معه، وتحديد المسؤوليات، وإنفاذ القانون، والحفاظ على انتظام الحياة العامة. وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم قراءة ما جرى؛ فلا يجوز أن تتحول الجريمة إلى مصدر لإرباك المجتمع، أو أن تصبح مساحة للشائعات والتأويلات، أو أن يُمنح مرتكبو الإرهاب فرصة لتحقيق أثر يتجاوز حدود فعلهم الإجرامي.
ومن المهم هنا التمييز بين اليقظة والخوف؛ فاليقظة ضرورة لحماية الدولة، أما الخوف حين يتحول إلى حالة عامة فإنه يمنح الإرهاب جزءاً من الغاية التي يسعى إليها. والأردنيون، بما راكموه من خبرة وطنية في التعامل مع الأزمات، يدركون أن الحفاظ على الأمن مسؤولية تتطلب الثقة بالمؤسسات، والالتزام بالمعلومة الموثوقة، والابتعاد عن الانفعال الذي قد يضر أكثر مما ينفع.
غير أن المواجهة الأمنية، على أهميتها، لا تستنفد أبعاد المواجهة مع الإرهاب. فالتطرف لا ينشأ من فراغ، ولا يُعالج فقط بإلقاء القبض على منفذ الجريمة، بل يتطلب عملاً وطنياً متكاملاً يتناول جذوره الفكرية والاجتماعية، ويعزز دور المدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية في ترسيخ قيم المواطنة واحترام القانون وقبول الاختلاف. فالدولة التي تحمي حدودها ومؤسساتها تحتاج بالقدر ذاته إلى حماية وعي مجتمعها، وإغلاق المنافذ التي يمكن أن تتسلل منها أفكار العنف والإقصاء.
وفي هذا السياق، فإن تماسك الجبهة الداخلية ليس تعبيراً عاطفياً يُستدعى عند الأزمات، بل عنصر أصيل في منظومة الأمن الوطني. فالثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة، والوعي بحجم التحديات، والقدرة على الفصل بين الوقائع والشائعات، جميعها عوامل تعزز مناعة المجتمع، وتحد من قدرة الجماعات المتطرفة على استثمار الأحداث أو توظيفها في نشر الاضطراب.
ولا يمكن أن تمر هذه الحادثة دون الوقوف عند دلالة التضحية التي قدمها الشهيد العريف جواد السلايطة. فخلف هذا الاسم عائلة فقدت ابنها، ومؤسسة فقدت أحد أبنائها، ووطن يقدّر الرجال الذين يؤدون واجبهم في أصعب الظروف. إن استشهاده يذكّرنا بأن الأمن الذي ينعم به الأردنيون ليس أمراً تلقائياً، بل مسؤولية يتحملها رجال يقفون في الميدان، ويواجهون المخاطر حتى تبقى الحياة العامة آمنة ومستقرة. والوفاء لهذه التضحية يقتضي صون حقوق أسر الشهداء، وتقدير زملائهم، وتعزيز قدرة المؤسسات التي يحمل منتسبوها أمانة حماية الوطن.
لقد أثبت الأردن عبر محطات عديدة أن قوته لا تكمن في انعزاله عن أزمات المنطقة، بل في قدرته على حماية قراره الوطني ومصالحه العليا، والحفاظ على تماسكه الداخلي، ومواصلة مسيرته رغم ما يحيط به من تحديات. وهذه القدرة لم تتشكل في لحظة، بل هي حصيلة تجربة دولة وقيادة ومؤسسات ومجتمع يدرك أن الاستقرار مسؤولية مشتركة، وأن الحفاظ عليه يتطلب عملاً دائماً يتجاوز حدود رد الفعل.
إن الرسالة التي ينبغي أن يحملها الأردن من هذه الحادثة واضحة: لا تساهل مع الإرهاب، ولا تهاون في حماية أمن المواطنين، ولا خروج عن سيادة القانون، وفي المقابل لا مساحة للهلع أو الفوضى أو المساس بوحدة المجتمع. فالدولة القوية هي التي تواجه الجريمة بحزم، وتحفظ اتزانها، وتمنح مواطنيها أسباب الثقة والطمأنينة، وتواصل أداء مسؤولياتها دون أن تسمح للتهديدات بتغيير أولوياتها أو تعطيل مسيرتها.
الإرهاب يريد أن يجعل الخوف نتيجة للجريمة، أما الدولة فمسؤوليتها أن تجعل العدالة نتيجة لها، والأمن ضمانة للمجتمع، والثبات عنواناً للمستقبل.
وفي الأردن، حيث تستند الدولة إلى قيادة هاشمية ومؤسسات وطنية راسخة، تبقى قوة الموقف في وضوح الأولويات، وتماسك الجبهة الداخلية، والثقة بقدرة الوطن على حماية أمنه وصون استقراره.
رحم الله شهيد الواجب، وحفظ الأردن وقيادته الهاشمية، وأدام على وطننا أمنه واستقراره.