تخطَّ إلى المحتوى
عمّان —

الانتخابات الأميركية والإسرائيلية.. حسابات الداخل وقلق الخارج

في الولايات المتحدة، أحدثت المكاسب الديمقراطية في الكونغرس تحولا في المشهد السياسي، وعكست حالة من الاستياء الشعبي تجاه جوانب من سياسات الإدارة الجمهورية، خصوصا الأوضاع الاقتصادية وتكاليف المعيشة والسياسة الخارجية. وفي إسرائيل، أثارت نتائج انتخابات الكنيست تساؤلات بشأن قدرة نتنياهو على تأمين أغلبية برلمانية تتيح له تشكيل حكومة مستقرة. ورغم اختلاف النظامين السياسيين، فإن التطورات في البلدين تكشف عن ضغوط انتخابية قد تعيد رسم حسابات القيادتين.

لقد جمعت ترمب ونتنياهو علاقة سياسية وثيقة، انعكست على ملفات الشرق الأوسط، ولا سيما غزة وإيران والأمن الإقليمي. غير أن التفاهمات الشخصية، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع تجاوز القيود التي تفرضها المؤسسات الدستورية والتحالفات البرلمانية والرأي العام. ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق بمستقبل العلاقة بين الرجلين بقدر ما يتعلق بحدود قدرتهما على مواصلة تنفيذ أولوياتهما المشتركة.

في واشنطن، تمنح الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس الحزب نفوذا أكبر على التشريعات والموازنات والرقابة على السلطة التنفيذية. وقد يجد ترمب نفسه أمام خيار التفاوض مع خصومه أو الاعتماد بصورة أوسع على صلاحياته التنفيذية وحق النقض الرئاسي. ولكل خيار تكلفته السياسية؛ فالمواجهة قد تؤدي إلى تعطيل التشريعات، بينما تتطلب التسويات تنازلات قد لا تحظى بقبول بعض أنصاره.

لكن الديمقراطيين يواجهون بدورهم اختبارا لا يقل أهمية، يتمثل في تحويل المكاسب الانتخابية إلى نتائج عملية تستجيب لتطلعات الناخبين، خصوصا في الملفات الاقتصادية والمعيشية. كما أن قدرتهم على التأثير ستظل مرتبطة بحجم أغلبيتهم وتماسك صفوفهم، فضلا عن الصلاحيات الدستورية التي يحتفظ بها الرئيس، ولا سيما في السياسة الخارجية والأمن القومي.

أما في إسرائيل، فإن عدم حصول معسكر نتنياهو على الأغلبية المطلوبة في الكنيست يجعله أمام مفاوضات ائتلافية معقدة، ويضع مستقبله الحكومي أمام احتمالات متعددة. وهنا يبرز اختلاف جوهري بين الحالتين؛ فترمب سيواصل ممارسة صلاحياته الرئاسية رغم المعارضة التشريعية، بينما يرتبط استمرار نتنياهو في الحكم بقدرته على ضمان الثقة البرلمانية.

وعلى المستوى الدولي، عكست ردود الفعل على المكاسب الديمقراطية تباينا في التوقعات. ففي أوروبا، رأت بعض الأوساط السياسية في النتائج فرصة لمراجعة الخلافات مع واشنطن بشأن المناخ والتجارة والعلاقات عبر الأطلسي. لكن هذا التفاؤل اقترن بالحذر، إدراكا بأن تغير الأغلبية التشريعية لا يعني بالضرورة تغير توجهات الإدارة الأمريكية، وأن المصالح الاستراتيجية تتجاوز الانتماءات الحزبية.

وفي الشرق الأوسط، تبدو الحسابات أكثر تعقيدا. فإيران لا تنظر بالضرورة إلى صعود الديمقراطيين باعتباره مقدمة لتغيير جوهري في السياسة الأمريكية تجاهها، لكنها قد ترى في تشديد الرقابة البرلمانية على العمليات العسكرية والإنفاق المرتبط بها فرصة لتقييد بعض خيارات الإدارة.

وفي المقابل، قد يؤدي تنامي حضور الأصوات الديمقراطية المنتقدة للسياسات الإسرائيلية، خصوصا بشأن غزة والمساعدات العسكرية، إلى توسيع النقاش داخل الكونغرس حول طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل. غير أن العلاقات بين واشنطن وتل أبيب تستند إلى مصالح استراتيجية ومؤسساتية عميقة، تجعل التحول الجذري والفوري فيها أمرا غير مرجح.

أما في آسيا وأفريقيا، فتتباين المواقف بين الحرص على استمرارية الشراكات الأمنية والاقتصادية مع واشنطن، والتطلع إلى تعديلات محتملة في أولويات السياسة الأمريكية. ويعكس هذا الاختلاف تباين المصالح الوطنية، وليس وجود قراءة دولية موحدة لنتائج الانتخابات.

وتبرز أهمية التزامن بين التطورات الانتخابية الأمريكية والإسرائيلية في احتمال انعكاسه على التنسيق بين ترمب ونتنياهو، خصوصا في القضايا الإقليمية الحساسة. فقد تدفع الضغوط الداخلية الرجلين إلى مراجعة بعض الخيارات والبحث عن تسويات، لكنها قد تشجعهما أيضا على تبني مواقف أكثر تشددا لاستعادة التأييد السياسي.

وفي المحصلة، لا تعني هذه النتائج نهاية النفوذ السياسي لأي منهما، لكنها تشير إلى مرحلة قد تصبح فيها الحسابات الداخلية أكثر تأثيرا في القرارات الخارجية. ويبقى السؤال: هل تفتح هذه التحولات المجال أمام مراجعات سياسية وتسويات إقليمية، أم تقود إلى مواجهات جديدة تمتد تداعياتها إلى المنطقة والعالم؟

لديك معلومات إضافية عن هذا الخبر؟ارسل خبراً

اسأل هذا التقرير

AI

اطرح سؤالاً عن هذا التقرير — الإجابات تستند إلى نصّه.

الإجابات تجريبية ومستندة إلى تغطية الرأي. يستهلك كل سؤال نقطتين.

أسئلة مقترحة