نحل صغير يهزم البلاستيك.. سر طبيعي قد يغيّر الصناعة
عمان٤ دقائق للقراءة
مشاركة
في اكتشاف علمي لافت، كشف باحثون أن نوعاً صغيراً من النحل يمتلك قدرة فريدة على إنتاج مادة تشبه البلاستيك، تتميز بالمتانة ومقاومة الماء، لكنها تتحلل تلقائياً في التربة خلال أشهر، في ظاهرة قد تفتح الباب أمام تطوير جيل جديد من المواد الصديقة للبيئة.
وتعود هذه القدرة إلى نوع من النحل يُعرف باسم «نحل السيلوفان» (Cellophane Bee)، إذ تقوم إناثه بحفر أنفاق تحت الأرض، ثم تبطّن جدران أعشاشها بطبقة شفافة ومرنة تحمي البيض ومخزون الغذاء من الرطوبة والفطريات طوال فترة نمو الصغار.
واللافت أن هذه المادة تتشابه كيميائياً مع البولي إيثيلين، أحد أكثر أنواع البلاستيك انتشاراً واستخداماً في العالم، والذي يشتهر بصعوبة تحلله وتراكمه في البيئة. ومع ذلك، لا تترك أعشاش النحل المتجددة سنوياً مخلفات متراكمة من هذه المادة في التربة.
مادة طبيعية بخصائص استثنائية
في دراسة نُشرت في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني بدورية «Proceedings of the National Academy of Sciences»، حاول فريق بحثي الكشف عن سر هذه المادة، وفهم كيف تجمع بين الصلابة أثناء أداء وظيفتها والقدرة على التحلل بعد انتهاء الحاجة إليها.
وأوضح الباحث الرئيسي جوناثان كوت، الأستاذ المساعد في قسم الهندسة الكيميائية وعلوم المواد بجامعة مينيسوتا، أن التحدي الحقيقي أمام صناعة البلاستيك ليس العثور على بدائل جديدة، بل ابتكار مواد تحافظ على خصائص البلاستيك التقليدي أثناء الاستخدام، ثم تتحلل بسهولة عندما تصل إلى البيئة.
ولفهم هذه الظاهرة، جمع الباحثون عينات من بطانات أعشاش النحل في ولاية تينيسي الأميركية، ثم عادوا إلى الموقع بعد أربعة وسبعة و11 شهراً لمتابعة التغيرات التي تطرأ على المادة بمرور الوقت.
وأظهرت التحليلات أن المادة تتمتع بتركيب غير عادي؛ إذ لم تذب حتى عند تعريضها لمذيبات قوية وتسخينها إلى 150 درجة مئوية لمدة يومين، ما يشير إلى وجود روابط متقاطعة بين سلاسلها الجزيئية تمنحها تماسكاً ومقاومة مرتفعة.
كما تبين أن نحو 60% من البوليمر يتخذ شكلاً بلورياً منظماً، وهي خاصية ترتبط عادة بزيادة المتانة وصعوبة التحلل.
11 شهراً تكشف سر التفكك
لكن المفاجأة ظهرت عند مراقبة المادة داخل التربة الطبيعية.
ففي البداية، كانت بطانة العش تتكون من نحو 73% من البوليمر و27% من الحرير، إلا أن نسبة البوليمر تراجعت إلى نحو 40% بعد أربعة أشهر فقط.
وبعد سبعة أشهر، بدأت الشقوق بالظهور على سطح المادة، فيما فقدت بعد 11 شهراً معظم مرونتها وأصبحت أكثر هشاشة وقابلية للتفتت.
وتكتسب هذه النتائج أهميتها من أن مواد صناعية مشابهة في تركيبها الكيميائي لا تتحلل بالسرعة نفسها، حتى عند إخضاعها لظروف معالجة قاسية، مثل التسميد الصناعي بدرجات حرارة مرتفعة أو تعريضها للأحماض والإنزيمات.
إنزيمات قد تحمل مفتاح الحل
ورغم نجاح الدراسة في رصد عملية التحلل، فإن الآلية التي تقف وراءها لا تزال غير واضحة بالكامل.
ويرجح الباحثون أن صغر حجم المناطق البلورية وعدم انتظامها في بوليمر النحل قد يسمحان للماء والإنزيمات بالوصول إلى الروابط الكيميائية وتفكيكها بسهولة أكبر.
كما رصد الفريق نشاطاً لإنزيمات قادرة على كسر أنواع من الروابط الموجودة في البوليمر، سواء في الأعشاش الحديثة أو تلك التي بقيت في التربة أربعة أشهر.
ويفتح ذلك احتمالين: أن تكون النحلة قد أضافت هذه الإنزيمات إلى المادة أثناء تصنيعها، أو أن تكون كائنات دقيقة تعيش في التربة أو داخل العش هي المسؤولة عن إنتاجها لاحقاً. لكن الباحثين لم يتمكنوا بعد من تحديد مصدر هذه الإنزيمات أو إثبات دورها المباشر في عملية التحلل.
هل يلهم النحل صناعة بلاستيك المستقبل؟
على الرغم من أهمية الاكتشاف، لا تزال هناك أسئلة علمية تحتاج إلى إجابات، إذ اقتصرت التجارب على موقع طبيعي واحد في ولاية تينيسي، ولم تُختبر المادة بعد في أنواع مختلفة من التربة والمناخات أو على نطاق صناعي واسع.
كذلك لم يتمكن الباحثون من تحديد المسار الكيميائي الكامل للتحلل، أو التأكد مما إذا كانت المادة تتحول في النهاية إلى مركبات بسيطة بالكامل، أم تنتج عنها مواد وسيطة تحتاج إلى مزيد من الدراسة.
ومع ذلك، تقدم هذه الظاهرة الطبيعية نموذجاً واعداً للعلماء والمهندسين، خصوصاً في ظل التحديات البيئية التي يفرضها تراكم النفايات البلاستيكية.
فقد لا يكون الحل في ابتكار مادة بلاستيكية ضعيفة أو سريعة التلف، بل في الاستفادة من آليات طبيعية دقيقة تسمح بإنتاج مادة قوية ومستقرة عند الحاجة، وقابلة للتحلل عندما تنتهي وظيفتها.
وهكذا، قد يحمل نحل صغير يعيش تحت الأرض درساً مهماً لصناعة عالمية عجزت لعقود عن حل واحدة من أكبر مشكلاتها البيئية.