فقد نجح الديمقراطيون في انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ في ضربة سياسية قاسية للرئيس دونالد ترامب، الذي سيجد نفسه، ابتداءً من تسلم الكونغرس الجديد مهامه في يناير المقبل أمام واقع مختلف، عنوانه الانقسام بين سلطة تنفيذية جمهورية ومؤسسة تشريعية يسيطر عليها خصومه.
ولعل أول من سيلمس تداعيات هذا التحول هو بنيامين نتنياهو، الذي راهن طويلاً على علاقته الشخصية بترامب، وعلى وجود كونغرس جمهوري يوفر الغطاء السياسي والعسكري لحكومته. فالأغلبية الديمقراطية الجديدة ستمنح منتقدي السياسات الإسرائيلية مساحة أوسع لمساءلة المساعدات العسكرية، وفتح ملفات الحرب في غزة، والاستيطان، والانتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومع هذا الامر المتوقع لا يعني ذلك أن واشنطن ستتخلى عن تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، أو أن الديمقراطيين باتوا كتلة متجانسة في موقفهم منها، لكنه يعني أن الدعم الإسرائيلي لم يعد بمنأى عن الانقسام الحزبي والنقاش العام الأميركي، وأن نتنياهو قد يجد نفسه أمام بيئة سياسية ضاغطة في احيان كثيرة و أقل تساهلاً مع سياسات حكومته.
أما في الخليج، فإن انعكاسات الانتخابات تبدو أكثر مباشرة وحساسية ، فالحرب مع إيران كانت أحد العوامل التي ساهمت في معاقبة الجمهوريين انتخابياً، بعدما ارتفعت كلفتها الاقتصادية وانعكست على أسعار الوقود ومعيشة الأميركيين ، وهذا يمنح ترامب حافزاً إضافياً للبحث عن مخرج سياسي، بدلاً من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة تستنزف الولايات المتحدة وتهدد أمن المنطقة ومصادر الطاقة.
لكن لا ينبغي استبعاد احتمال آخر، يتمثل في أن يحاول ترامب تعويض خسارته الداخلية بإظهار مزيد من التشدد الخارجي، خصوصاً أن خسارة الأغلبية لا تسلبه صلاحياته الدستورية في إدارة السياسة الخارجية وقيادة القوات المسلحة ، ومن المؤكد أن الديمقراطيين سيمتلكون أدوات رقابية وتشريعية للضغط على البيت الأبيض، والتحقيق في إدارة الحرب، ومراجعة الإنفاق العسكري، وإن كان استخدام هذه الأدوات لا يعني بالضرورة قدرتهم على فرض إنهاء الحرب.
ما حدث في الولايات المتحدة يضع المنطقة أمام فرصة ومخاطر في آن واحد ، فالتراجع المحتمل في الغطاء السياسي المطلق لإسرائيل، والضغوط المتزايدة لإنهاء الحرب مع إيران، يمكن أن يفتحا نافذة لإعادة طرح القضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الاستقرار الإقليمي، لا ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله أو تجاوزه.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل بال العرب والفلسطينيين ليس فقط ماذا سيفعل الديمقراطيون بترامب، بل ماذا سنفعل نحن لاستثمار هذا التحول؟
فالفرص السياسية لا تصنعها التحولات الدولية وحدها، وإنما القدرة على امتلاك مشروع سياسي واضح، وتوحيد الموقف، ومخاطبة مراكز التأثير في واشنطن.لقد خسر ترامب أغلبيته في الكونغرس، لكن الأهم أن إسرائيل خسرت جزءاً من مظلتها السياسية التقليدية، فيما باتت الحرب في الخليج عبئاً على الحسابات الأميركية الداخلية ، وتلك معادلة جديدة تستحق أن يقرأها العرب جيداً، قبل أن تضيع فرصة أخرى في انتظار ما تقرره واشنطن.