تخطَّ إلى المحتوى
عمّان —

خطاب الآخر.. حيث تبدأ بذور الكراهية

من الطبيعي أن يرتبط الإنسان بهويات اجتماعية مختلفة، سواء كانت دينية أو عشائرية أو ثقافية أو غيرها، فهذه الهويات جزء من حياتنا وعلاقاتنا الاجتماعية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى وسيلة للحكم على الآخرين، فنحمّل جماعة ما كاملة مسؤولية تصرف انفرد به أحد أفرادها، أو ننظر إلى أشخاص بعين الريبة لمجرد اختلاف خلفياتهم عنا، وهنا يظهر ما يعرف بخطاب الآخر، الذي قد لا يتضمن كراهية صريحة، بل قد يتسلل إلى حواراتنا اليومية من خلال تعميمات وأحكام اعتدنا سماعها وترديدها دون تفكير مسبق بمضامينها الفعلية.

وتكمن خطورة هذا الخطاب في أنه قد يضعف تعاطفنا مع من نراهم مختلفين عنا، فتصبح معاناتهم أقل تأثيراً فينا، ونكون أكثر استعداد لتصديق الأحكام السلبية بحقهم، ومع مرور الوقت، قد تهيئ هذه النظرة بيئة تجد فيها خطابات الكراهية جمهوراً أكثر تقبلاً، وتصبح الأفكار المتطرفة أكثر قدرة على الانتشار، وليس المقصود أن كل حكم مسبق يقود بالضرورة إلى الكراهية، بل إن تراكم هذه التصورات قد يجعل الرسائل العدائية أكثر قبولاً مما كانت ستكون عليه.

ومن هنا، فإن مواجهة الكراهية لا ينبغي أن تقتصر على القوانين والإجراءات الأمنية، على أهميتها، إذ يمكن للحكومات أن تتدخل في مرحلة أبكر، من خلال تشجيع التواصل بين المواطنين من خلفيات اجتماعية مختلفة، ولا سيما بين الأجيال الناشئة التي لا تزال تصوراتها عن المجتمع تتشكل من خلال الأسرة والمدرسة والأصدقاء والتجارب اليومية.

ويمكن للمدارس في مناطق مختلفة تنظيم رحلات وأنشطة ومشاريع مشتركة تجمع الطلبة وتتيح لهم العمل والتفاعل معاً، كما يمكن للأندية الرياضية إقامة فعاليات ومسابقات مشتركة، وللبلديات ومؤسسات المجتمع المدني تنظيم أنشطة تطوعية ومبادرات مجتمعية يشارك فيها مواطنون من خلفيات متنوعة، ولا يتطلب ذلك بالضرورة إنشاء مؤسسات جديدة أو تخصيص ميزانيات كبيرة، بل إعادة النظر في كيفية تنظيم الأنشطة القائمة، ومن يشارك فيها، بحيث لا تقتصر على المناسبات الرمزية، وإنما تصبح فرصاً متكررة للتعارف والتعاون.

وتكمن قيمة هذه التجارب في أنها تتيح للناس اكتشاف ما يجمعهم من آمال واهتمامات وتحديات يومية، بعيداً عن الصور المسبقة التي قد يحملونها عن بعضهم، فالطفل الذي يكوّن صداقة خلال رحلة مدرسية، أو الشاب الذي يتعرف إلى أصدقاء جدد من خلال نشاط رياضي، قد يبدأ بالنظر بصورة مختلفة إلى جماعات لم يكن يعرف عنها سوى ما يسمعه من الآخرين، وقد تؤثر هذه العلاقات لاحقاً في موقفه عندما يسمع تعميماً مسيئاً أو حكماً جائراً بحقها.

وتشير الأبحاث في علم النفس الاجتماعي إلى أن التواصل الإيجابي بين أفراد الجماعات المختلفة يمكن أن يسهم في الحد من الأحكام المسبقة، خصوصاً عندما يقوم على التعاون والمشاركة المتكافئة، ولذلك فإن نجاح هذه الأنشطة لا يقاس بعدد المشاركين فيها فقط، بل بطبيعة التفاعل الذي تتيحه بينهم، فالغاية ليست إلغاء الاختلافات بين الناس، وإنما ألا تتحول هذه الاختلافات إلى حواجز تمنعهم من فهم بعضهم واحترام بعضهم بعضاً.

إن مواجهة خطاب الكراهية والتطرف ضرورة لا خلاف عليها، لكن الوقاية تبدأ أيضاً قبل أن تتحول الأحكام المسبقة إلى عداء ظاهر، ومن خلال الاستفادة بصورة أفضل من مدارسنا وأنديتنا ومؤسساتنا المجتمعية، يمكننا معالجة بعض الانقسامات التي تتيح للكراهية أن تنمو، ومنح المواطنين فرصاً أوسع لتكوين آرائهم عن الآخرين بناءً على تجاربهم الشخصية، بدلاً من الاكتفاء بما ورثوه من تصورات وأحكام مسبقة.

لديك معلومات إضافية عن هذا الخبر؟ارسل خبراً

اسأل هذا التقرير

AI

اطرح سؤالاً عن هذا التقرير — الإجابات تستند إلى نصّه.

الإجابات تجريبية ومستندة إلى تغطية الرأي. يستهلك كل سؤال نقطتين.

أسئلة مقترحة