جاء خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية لمجلس الأمة، حاملاً رؤية واضحة لمعالم الدولة الأردنية ونهجها في التعامل مع التحديات الوطنية والإقليمية، ومرسخاً صورة وطن راسخ البنيان، رحب الصدر في استقبال الرأي المسؤول، صلب الساعد في حماية أمنه واستقراره وصون منجزاته وسيادته.
فالأردن، كما عكسته مضامين الخطاب الملكي، دولة تؤمن بأن قوة بنيانها لا تقوم على صلابة مواقفها فحسب، وإنما على قدرتها على استيعاب الرأي والحوار والانفتاح على كل جهد مخلص يستهدف المصلحة العامة. وهو في الوقت ذاته وطن لا يتهاون في حماية ثوابته الوطنية، ولا يقبل المساس بأمنه ووحدته، ولا تتبدل مواقفه تجاه مبادئه والتزاماته القومية والعربية، التي شكلت على الدوام ركناً أساسياً في سياسته ونهجه.
وقد عكس الخطاب الملكي بوضوح فلسفة الدولة الأردنية في الجمع بين مسؤولياتها الوطنية والتزاماتها تجاه محيطها العربي والإسلامي، فهي التي لم تنفصل يوماً عن قضايا أمتها، ولم تتخل عن دورها في الدفاع عن مصالحها ومبادئها، وفي الوقت ذاته تضع أمن الأردن واستقراره وحماية مقدراته وصون مصالح أبنائه في مقدمة أولوياتها. وهو نهج هاشمي راسخ، يقوم على الاعتدال والعدل والثبات على المواقف، وعلى تحمل المسؤولية تجاه الوطن والأمة دون مساومة على الثوابت أو تفريط بالحقوق.
وفي هذا السياق، حضرت القضية الفلسطينية في الخطاب الملكي باعتبارها قضية مركزية لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن أمن المنطقة واستقرارها، وتأكيداً على موقف الأردن الثابت تجاه حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وصون أرضه وكرامته، وضمان أمنه واستقراره ومستقبله. وهو موقف يعبر عن امتداد تاريخي وسياسي وأخلاقي للنهج الأردني، الذي ظل يعتبر القضية الفلسطينية في صدارة أولوياته، انطلاقاً من إيمانه بعدالتها وارتباطها الوثيق بأمن المنطقة واستقرارها.
وعلى الصعيد الوطني، أكد الخطاب الملكي أهمية تسريع إنجاز المشاريع الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع الأمن المائي، إلى جانب تحفيز الاقتصاد وتسريع وتيرة الإنجاز في مختلف القطاعات، بما يعكس إدراك القيادة لأهمية الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ، ومن الإمكانات المتاحة إلى النتائج الملموسة التي تنعكس على حياة المواطنين وتدعم فرص التنمية والتقدم.
إن بناء الدولة وتعزيز منعتها لا يتحققان بالمشاريع وحدها، مهما بلغت أهميتها، وإنما يتطلبان أيضاً ترسيخ سيادة القانون، وتعزيز النزاهة والمساءلة، وضمان تكافؤ الفرص، بحيث يكون الجميع أمام القانون سواء، دون اعتبار لمنصب أو نفوذ أو موقع. فالقانون هو المظلة التي تحمي الدولة والمجتمع، وهو الأساس الذي تستقيم به المؤسسات، وتترسخ به الثقة، ويشعر في ظله المواطن بأن حقوقه مصونة وواجباته واضحة، وأن المسؤولية لا تعفي صاحبها من المساءلة.
إن ساعد الوطن يشتد بتلاقي إرادة قيادته مع عزيمة شعبه، وبما يقدمه أبناؤه من عمل مخلص وعطاء مسؤول، وبما تنجزه مؤسساته من برامج ومشاريع تعزز بنيانه وتدفع مسيرته إلى الأمام. فالأوطان لا تنهض بالشعارات، وإنما بسواعد أبنائها، وبالإخلاص في العمل، واحترام القانون، وتقديم المصلحة الوطنية على ما عداها.
إن الرسالة التي يمكن استخلاصها من خطاب العرش هي أن الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه، ماضٍ في مسيرته بثبات، منفتح على الرأي المسؤول، متمسك بثوابته، وفيّ لالتزاماته تجاه أمته، وحازم في حماية أمنه واستقراره. وطن يعرف أن قوته في وحدته، وأن استقراره في عدالة مؤسساته، وأن مستقبله في عمل أبنائه وإخلاصهم.
فهذا الوطن صدره رحب لكل رأي مخلص، وساعده صلب في مواجهة كل من يحاول النيل من أمنه ووحدته واستقراره؛ وطن لا يضيق بأبنائه، ولا يتهاون في حقوقهم، تحت سيادة القانون فالجميع سواسية أمام سلطانه.
حمى الله الأردن، وحمى قيادته الهاشمية، وأعزها وأعانها، وحفظ شعبه وأرضه، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار والمنعة.