تخطَّ إلى المحتوى
عمّان —

تصنيفات الجامعات العالمية: بين التميز الأكاديمي وإدارة السمعة

في تصنيف QS لعام 2026، تشكل السمعة الأكاديمية 30% من النتيجة الإجمالية، وسمعة الخريجين لدى أصحاب العمل 15%، أي أن المؤشرين يمثلان معاً 45% من التصنيف. وهذه الأوزان تثير تساؤلاً جوهرياً: هل تُبنى السمعة على إنجاز أكاديمي وبحثي حقيقي، أم تصبح هدفاً مستقلاً عن الأداء؟

وتتيح المؤتمرات الدولية فرصاً للتعاون وتبادل الخبرات. وفي هذا السياق، من المقرر عقد مؤتمر QS Higher Ed Summit: Asia Pacific 2026 في بالي بإندونيسيا، خلال الفترة من 3 إلى 5 تشرين الثاني، بمشاركة جامعات أردنية في رعايته، منها الجامعة الأردنية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، وجامعة عمان الأهلية، وجامعة جدارا.

ولا تمثل هذه الرعاية بحد ذاتها إشكالية، لكنها تستدعي التساؤل عن أهدافها وكلفتها وعوائدها الفعلية، خصوصاً أن المشاركة في هذه الفعاليات لا تعني بالضرورة تحسن موقع الجامعة في التصنيف.

ولا يقتصر الأمر على المؤتمرات والرعاية؛ فمؤسسة QS نفسها تقدم خدمات استشارية وأدوات لإدارة السمعة الأكاديمية وتعزيز الحضور الدولي، من بينها خدمة "QS Reputation Manager"، يمكن للجامعات الاستفادة منها ضمن ترتيبات تعاقدية. وهنا يبرز تساؤل أكثر حساسية: ما الحدود الفاصلة بين تقديم خدمات مدفوعة لتحسين السمعة الأكاديمية وبين قياس هذه السمعة ضمن التصنيف الذي تصدره المؤسسة نفسها؟ وهل توجد ضمانات كافية لاستقلال التقييم عن المصالح التجارية؟

وتزداد أهمية هذه التساؤلات إذا طُرحت على الجامعات، سواء مباشرة أو عبر وسطاء، عروض توحي بإمكانية تحسين مؤشر السمعة الأكاديمية مقابل مبالغ مالية. فثمة فرق جوهري بين خدمة تساعد الجامعة على إبراز إنجازاتها، وبين الإيحاء بأن الدفع يمكن أن ينعكس على نقاط التصنيف. ولا يجوز افتراض وجود تأثير مباشر دون أدلة موثقة، لكن الشفافية بشأن طبيعة هذه الخدمات وآلياتها وتكاليفها تصبح ضرورة لحماية مصداقية التصنيفات وثقة الجامعات بها.

إن الإنفاق على المؤتمرات والاستشارات والترويج المؤسسي قد يكون استثماراً مشروعاً، شريطة ارتباطه بنتائج قابلة للقياس، كالشراكات البحثية والبرامج المشتركة وفرص الطلبة. فالمشكلة ليست في الإنفاق ذاته، وإنما في غياب معايير واضحة لتقييم جدواه، خصوصاً عندما تتنافس هذه النفقات مع احتياجات المختبرات والبحث العلمي وتطوير التعليم.

وتكشف المقارنة بين تصنيفي QS وشنغهاي اختلافًا مهمًا في المنهجيات؛ فالأول يمنح السمعة وزناً بارزاً إلى جانب مؤشرات التعليم والبحث والانفتاح الدولي، بينما يركز الثاني على الإنجاز البحثي والجوائز العلمية والاستشهادات والنشر في المجلات المرموقة. لذلك، لا يعكس أي تصنيف منفرد الصورة الكاملة لجودة الجامعة.

وتحتاج الجامعات الأردنية إلى استراتيجية متوازنة تقوم على الشفافية المالية، وقياس العائد من المبادرات الدولية، وتوجيه الموارد نحو البحث العلمي وتطوير البرامج، واعتماد مؤشرات أداء تشمل التعليم والابتكار والتوظيف وخدمة المجتمع، وتعزيز الحوكمة والمراجعة المؤسسية.

فالجامعة المتميزة ليست التي تتقدم في التصنيفات فحسب، بل التي تنتج معرفة مؤثرة، وتؤهل خريجين قادرين على المنافسة، وتوفر بيئة محفزة للبحث والابتكار، وتربط مخرجاتها باحتياجات المجتمع والاقتصاد.

إن التصنيفات أدوات لتشخيص الأداء وتحسينه، وليست غاية مستقلة عن رسالة الجامعة. والنقاش المسؤول بشأنها ينبغي أن يستند إلى المعلومات الدقيقة والشفافية وقياس النتائج، لا إلى التشكيك في النوايا.

نريد جامعات تستحق الترتيب، لا جامعات تطارد الترتيب. نريد سمعة تُبنى بالإنجاز، لا صورة تُدار بالإنفاق. فالتحدي الحقيقي أن نمتلك من العلم والبحث والإبداع ما يجعل مواقعنا المتقدمة انعكاساً صادقًا لتميزنا الأكاديمي، لا مجرد أرقام نحتفي بها.

نائب رئيس جامعة الحسين بن طلال للشؤون الأكاديمية

لديك معلومات إضافية عن هذا الخبر؟ارسل خبراً

اسأل هذا التقرير

AI

اطرح سؤالاً عن هذا التقرير — الإجابات تستند إلى نصّه.

الإجابات تجريبية ومستندة إلى تغطية الرأي. يستهلك كل سؤال نقطتين.

أسئلة مقترحة