تفسير الأحداث بنسبتها إلى مؤامرة أو قوى غيبية وخفية وسرية تفسير يريح الكثيرين الذين يبحثون عن تبريرات تعفيهم من أي مسؤوليات متعلقة بهم أو ببلدانهم أو بعقائدهم. وقد سبق لمروجي نظرية المؤامرة أن تحدثوا عن كثير من الأحداث كان أبرزها أن نسبوا فيروس كورونا لقوى سياسية إما أميركية أو صينية واختلقوا هدفا لذلك هو تقليص عدد سكان الأرض، وهؤلاء المهووسون بفكرة التآمر الخفي لتحريك الأحداث قد يخلقون أي سبب ليكون وراء الكوارث والمصائب الكبرى التي تقع في العالم.
لماذا اللجوء إلى نظرية المؤامرة لتفسير الأحداث؟ ولماذا يميل الناس إلى تصديق حديث المؤامرة وبشكل خاص في الأحداث الكبرى؟
التفسير المؤامراتي للأحداث يريح صاحبه لأنه لا يريد أن يصدق الحقيقة. يخلق جهة يحملها المسؤولية ويعفي نفسه لأنه يشعر بصورة أو بأخرى بأنه قد يتهم بالمسؤولية أو بالتقصير ويعجز عن تصديق الحقيقة التي قد تمسه بصورة أو بأخرى. ببساطة يستسهل هؤلاء الركون إلى الغيبيات التي تعطيهم حالة من الاطمئنان فيستريحون من عناء التفكير ومن عناء المسؤولية. يحدث هذا إما لشدة الجهل أو لشدة الخوف وبهذه الطريقة يحمي الجاهل جهله ويبرر الخائف خوفه ويطمس حالة النقص الفكري والحضاري التي يعاني منها.
عند وقوع زلزال مدمر ينسب هؤلاء السبب إلى تجارب الأسلحة الجديدة متناسين أن الزلازل قد تقع في أي مكان على الكرة الأرضية لكن هذا العدد الكبير من الضحايا هو الكارثة الفعلية فهل تعفي نظرية المؤامرة والإيمان بها وتصديقها الناس من مسؤولياتهم كما يظنون؟ عندما يقول مسؤول ما أن سبب الزلزال قد يكون مفتعلا بسلاح خفي فهو في الواقع يعفي من حيث يدري أو لا يدري المتسببين بأخطاء البناء التي أنتجت هذا العدد الكبير من الضحايا من مسؤوليتهم.
ينظر بعضهم إلى نظرية المؤامرة على أنها في كثير من الأحيان نتاج أنظمة ودول. وقد برعت الشعوب العربية في استعمال فكرة التآمر الخفي الذي يحرك أحداث العالم في إطار الحرب النفسية لكنهم ليسوا وحدهم. في عام 2010 اتهم الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد برنامج "هارب"(H.A.A.R.P) الأميركي بأنه تسبب في فيضانات باكستان. وفي السنة نفسها اتهم رئيس فنزويلا هوغو شافيز البرنامج نفسه بأنه السبب في زلزالي تشيلي وهاييتي.
والإيمان بنظرية المؤامرة ليس حكرا على العرب والمسلمين. ففي الولايات المتحدة حيث نظرية المؤامرة لها قاعدة عريضة من المؤيدين في كل ميدان وكل مجال، فهؤلاء يحبون التمسك بهذه النظرية لإبعاد شبح التهم عن أنفسهم. وهناك من الأميركيين من يؤمن بنظرية المؤامرة من باب انتمائه لليسار المتطرف أو لأحزاب فوضوية كل ما يهمها هو معارضة الدولة.
يمكن القول أن اللجوء إلى التفسير التآمري للأحداث والكوارث والأوبئة يكون في الغالب ناتجا عن موقف سابق له علاقة بالمستوى الثقافي لحامله وكذلك بالفكر السياسي أو الديني. فالإيمان الديني يقود في كثير من الأحيان إلى الإيمان بنظرية المؤامرة. وبحسب دراسات علم النفس السياسي هناك علاقة طردية بين هذين الإيمانين وهذه الظاهرة منتشرة في الشرق والغرب على السواء.
والذين يلجؤون إلى هذا الأسلوب في معظمهم من الذين لا يستطيعون تحدي الأنظمة والحكومات أو أنهم من شديدي الولاء لها. في حال وقوع جائحة مرضية مثل كورونا حصدت ملايين الأرواح أو زلزال مدمر يسقط فيه عشرات الألوف من الضحايا فإنهم يستعيضون عن نقد تقصير السلطات وفسادها وإخفاقاتها في توفير الحماية اللازمة لشعبها بأن يعفوا الحكومات والفاسدين من المسؤولية ويريحون أنفسهم من واجب التصدي لمكافحة الفساد بالترويج لفكرة المؤامرة الخارجية.
فالقول إن فايروس الكورونا مصدره مختبرات الحرب البيولوجية في الصين أو مختبرات المخابرات الأميركية أسهل بكثير من الاعتراف بالتقصير في حماية الصحة العامة أو الاعتراف بالفشل في تحقيق عناية طبية كافية. فالشعوب الفاشلة والمقصرة تعتمد الأسلوب الأسهل لإعفاء نفسها من المسؤولية عندما تقع مثل هذه الأحداث في بلدانهم والأمثلة معروفة وكثيرة.