هذه السياسة لم تكن موجهة للداخل الياباني فقط، بل كانت تستهدف العديد من المستثمرين الذين اعتادوا على الاقتراض بالينّ بتكلفة منخفضة، ثم تحويل هذه الأموال إلى دولار أمريكي واستثمارها في السندات وأسواق الأسهم وغيرها من الأصول التي تحقق عائداً أعلى، وبمرور الوقت، أصبحت الأموال اليابانية الرخيصة جزءاً مهماً من حركة المال في الأسواق العالمية.
لكن مع ارتفاع الفائدة في اليابان مؤخراً ارتفعت العوائد على السندات الحكومية، وبدأت المعادلة اليابانية التقليدية بالتغير، فقد أصبح الاحتفاظ بالمال داخل اليابان أكثر جاذبية ونفعا، وهنا بدأنا نسمع البعض يتساءل: لماذا يخرج المستثمر الياباني بأمواله إلى الخارج إذا أصبح بإمكانه الحصول على عائد أفضل في بلده؟
هذا الارتفاع في نسب الفائدة يعني أيضا أن قيمة السندات القديمة التي اشتريت عند قيم معدلات فائدة منخفضة ستتراجع، وهذا قد يضع البنوك وشركات التأمين اليابانية أمام خسارة كبيرة إذا اضطرت إلى بيع هذه السندات، وكذلك قد تضطر بعض المؤسسات اليابانية الباحثة عن السيولة الى بيع بعض استثماراتها في الخارج، بما فيها سندات الخزانة الأمريكية، أو قد يضطر بعض المستثمرين إلى بيع استثماراتهم نتيجة ارتفاع قيمة "الين" مما يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض من اليابان للاستثمار خارجها، وبهذا ستقوم الأسواق المالية بتصدير الأزمة إلى الأسواق العالمية، مما يجعل التغيير في ثمن المال الياباني مشكلة ضخمة داخلية وذات ارتدادات عالمية.
وقد أظهرت اضطرابات أغسطس 2024 كيف يتمدد التغيير الحاد في "الين" سريعاً إلى أسواق الأسهم العالمية، مما يعني ان اليابان اليوم تقف أمام معادلة دقيقة، فهي تريد رفع الفائدة، وتقوية عملتها، لإعادة توجيه ضخ الأموال إلى اقتصادها، لكنها في نفس الوقت لا تريد أن يؤدي ذلك إلى اضطراب مالي عالمي واسع.
علما أن في حال اعادة توجيه الأموال اليابانية التي تحركت لعقود في أسواق العالم وساعدت في تمويل الحكومات والشركات ورفع أسعار كثير من الأصول، إلى السوق المحلية، فإن العالم لن يواجه مجرد تغير في سعر الين، بل قد يواجه إعادة توزيع واسعة لرأس المال العالمي مما قد يرفع تكلفة الاقتراض في دول أخرى، ويغير حركة الأموال بين الأسواق، وقد يؤدي الى تراجع شهية المستثمرين تجاه بعض الأصول، لتصبح الدول والشركات أمام واقع جديد، يكون فيه المال الذي كان رخيصاً وسهل الوصول إليه أكثر تكلفة وأقل وفرة.
ختاما، فما يحدث في طوكيو اليوم قد يكون، في جوهره، أحد فصول إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي غداً، فهل تنهي اليابان عصر المال الرخيص بهدوء، أم أن عودة أموالها إلى الداخل ستكون إعلان لحظة مخاض لولادة نظام اقتصادي جديد؟