تخطَّ إلى المحتوى
عمّان —

الشباب بين البطالة والهجرة.. من يخسر الرهان؟

لم تعد البطالة بين الشباب مجرد تحدٍ اقتصادي يرتبط بضعف فرص العمل، بل أصبحت قضية تتجاوز حدود الاقتصاد إلى مستقبل المجتمعات وقدرتها على الاحتفاظ برأس مالها البشري. فعندما يقف الشاب سنوات أمام أبواب سوق العمل دون فرصة تتناسب مع مؤهلاته وطموحاته، تصبح الهجرة بالنسبة إليه أكثر من مجرد خيار؛ إنها محاولة لاستعادة الأمل في مستقبل مهني وحياة أكثر استقراراً .

المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع معدلات البطالة، وإنما في الفجوة المتنامية بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وفي محدودية الوظائف النوعية القادرة على استيعاب الكفاءات الشابة. فالكثير من الشباب يحملون شهادات جامعية ومهارات متعددة، لكنهم يصطدمون بواقع لا يوفر لهم المسارات المهنية التي تتناسب مع قدراتهم، الأمر الذي يدفع بعضهم إلى البحث عن فرص خارج الحدود، حيث تتوافر أحياناً بيئات عمل أكثر قدرة على استقطاب مهاراتهم وتطويرها .

ولا يمكن إغفال الأبعاد الاجتماعية لهذه الظاهرة؛ فالبطالة الطويلة لا تؤثر في الدخل وحده، بل تمتد إلى الاستقلال الاقتصادي للشباب، وتأخر تكوين الأسر، وتراجع الشعور بالأمان والاستقرار. كما أن استمرارها قد يؤدي إلى إضعاف الثقة بجدوى التعليم والعمل، وهي مسألة تحمل تداعيات تتجاوز الفرد لتطال المجتمع بأكمله .

اقتصادياً، لا تمثل هجرة الكفاءات خسارة فردية فحسب، بل تحمل انعكاسات بعيدة المدى على الاقتصاد الوطني. فالدولة التي تستثمر في تعليم أبنائها وتأهيلهم تتحمل تكاليف إعدادهم، ثم قد تجد أن عوائد هذا الاستثمار تتحقق في اقتصادات أخرى تستفيد من خبراتهم وإنتاجيتهم. وهنا تتشكل مفارقة اقتصادية تستحق التوقف عندها: كيف يمكن لاقتصاد أن يحقق التنمية المستدامة بينما يفقد جزءاً من طاقاته البشرية الأكثر تعليماً وتأهيلاً؟

وفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى الهجرة باعتبارها ظاهرة سلبية بصورة مطلقة؛ فهي قد تفتح آفاقاً جديدة لاكتساب الخبرات والمعرفة، وتعزيز التحويلات المالية، وبناء شبكات مهنية دولية يمكن أن تخدم الاقتصاد الوطني مستقبلاً. لكن التحدي الحقيقي يبدأ عندما تتحول الهجرة من خيار قائم على الطموح والانفتاح إلى استجابة لغياب الفرص وضعف القدرة على بناء المستقبل في الوطن .

إن معالجة هذه القضية تتطلب الانتقال من الحلول التقليدية إلى سياسات اقتصادية أكثر ارتباطاً بواقع الشباب، تبدأ بمواءمة التعليم مع احتياجات السوق، وتحفيز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والتكنولوجية، ودعم ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب توفير بيئة عمل قائمة على الكفاءة وتكافؤ الفرص والاستقرار الوظيفي. كما يتطلب الأمر إشراك الشباب في صياغة السياسات التي تمس مستقبلهم، وعدم التعامل معهم باعتبارهم مجرد أرقام في تقارير البطالة .

في المحصلة، لا يخسر الشباب وحدهم رهان المستقبل عندما تغيب الفرص، ولا يخسر الاقتصاد وحده عندما تغادر الكفاءات؛ فالخسارة مشتركة، وتمتد آثارها إلى الإنتاجية والنمو والتنافسية ومستقبل التنمية .

ويبقى السؤال الأهم: هل نريد اقتصاداً يدفع شبابه إلى البحث عن الفرص خارج حدوده، أم اقتصاداً يجعل من الفرصة والأمل والاستقرار أسباباً حقيقية للبقاء والإنجاز؟

لديك معلومات إضافية عن هذا الخبر؟ارسل خبراً

اسأل هذا التقرير

AI

اطرح سؤالاً عن هذا التقرير — الإجابات تستند إلى نصّه.

الإجابات تجريبية ومستندة إلى تغطية الرأي. يستهلك كل سؤال نقطتين.

أسئلة مقترحة