هل نجحت المنطقة منذ ما يزيد على قرن وبما أبعد كثيرا من الخروج ذاتيا من مآزقها الثنائية أو الإقليمية؟ تبدو الإجابة سهلة وواضحة، وهي لا، لكن قراءة هذا السياق لا يمكن عزلها عن السياق العالمي، فنجد أن مشاكلها وعقدها نتجت عن ثنائية القطبية الأولى فرنسا – بريطانيا والثنائية التالية روسيا – أميركا، وحتى في أقصى شرق آسيا مثال ذلك عقد تايوان وعقد الكوريتين وفي أميركا اللاتينية كثير من الأمثلة ولا يمكن عزل أفريقيا عن هذا السياق، إذا المسألة ليست وقفا على الشرق الأوسط، وإن كانت هنا أشد وضوحا وأكثر شراسة وصدامية، بل أكثرها تأثرا بالصراعات الكبرى وأشد تأثيرا في العالم سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وهو ما يجعل المسألة الشرق أوسطية حارة وبالغة التعقيد بما تحويه من عقد مزمنة يصعب تذويبها بتوافقات محلية فقط.
لكن السؤال الأكثر حرارة هو هل تمتلك المنطقة رغبة جماعية وتوافقا عاما يؤهلها لبناء مخارج ذاتية من مآزق وصراعات تجتاح الإقليم؟ الواضح عيانا أن المنطقة فاقدة للحد الأدنى من التوافق العام الذي يسهم في إيجاد مناخات خفض التوتر، وبناء مساحات من الثقة يتشارك فيها الجميع، فمع بروز تدخلات دولية في طبقات هذه الصدمات والصراعات المزمنة، إلا أن الحقيقة الأبرز من ذلك هي أن دولا ومكونات في المنطقة، تبني خططا وتقوم بممارسات، هادفة من خلالها إلى فرض هيمنتها وصناعة نفوذها على دول الجوار، وجعل هذا الجوار القريب والبعيد نسبيا مجالا سياسيا وحيويا تابعا لها، بل يصبح طوقا حاميا ومنافحا عنها، من خلال خوض حروبها وصداماتها بعيدا عن حدودها، وتخاض هذه الحروب بأيدي غيرها وعلى أرض بعيدة عن أرضها.


