سرد لآليات العمل الكامنة خلف القتل الجماعي للفلسطينيين
أثار عرض الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «نازا»، الذي يعني بالعبرية «أضرار جانبية»، في الدورة الـ83 لمهرجان البندقية السينمائي، عاصفة سياسية وإعلامية داخل إسرائيل وخارجها، بعدما وثق شهادات 24 ضابطاً وجندياً سابقاً وحالياً في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، تحدثوا إلى صانعي الفيلم بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، وتناولوا ما وصفوه بآليات استهداف وقتل الفلسطينيين في قطاع غزة خلال الحرب.
وعُرض الفيلم للمرة الأولى في 8 أيلول 2026، وهو من إخراج الإسرائيليين يوفال أبراهام وراحيل شور، الفائزين بجائزة الأوسكار عام 2025 عن فيلم «لا أرض أخرى».
واستند العمل إلى شهادات جُمعت وصُوّرت سراً على أسطح مبانٍ في تل أبيب على مدى ثلاث سنوات، فيما يقدّم، وفق ملخصه الرسمي، رواية عن آليات العمل الكامنة خلف القتل الجماعي للفلسطينيين في غزة.
وبحسب مضمون الفيلم، تحدث الشهادات عن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي ووسائل المراقبة في تحديد الأهداف، بما في ذلك استهداف منازل مع معرفة مسبقة بوجود عائلات داخلها من أطفال ونساء وكبار سن، استناداً إلى وسائل الرصد والمراقبة، بينها التصوير الحراري.
وحظي الفيلم باستقبال لافت في مهرجان البندقية، إذ قوبل بتصفيق استمر نحو 25 دقيقة، في واحدة من أطول فترات التصفيق المسجلة في تاريخ المهرجان، كما حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
وخلال تسلمه الجائزة، قال أبراهام إن إسرائيل قتلت خلال الأيام الأولى من المهرجان عدداً من الأطفال الفلسطينيين في غزة، مضيفاً أن ضباط الاستخبارات الذين تحدث إليهم صناع الفيلم وصفوا عمليات القتل بأنها «منهجية» وليست أحداثاً عرضية.
وسرعان ما انتقل الجدل من قاعات المهرجان إلى إسرائيل، حيث جاء الرد الرسمي غاضباً وحاداً، لكنه فتح في الوقت نفسه نقاشاً داخلياً حول جدوى الطريقة التي تعاملت بها الحكومة والمؤسسة العسكرية مع الفيلم، وما إذا كانت الحملة ضده قد أسهمت، بصورة عكسية، في تعزيز حضوره الإعلامي والسياسي. ووصف وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي ميكي زوهار الفيلم بأنه «حقير»، واتهم صانعيه بما وصفه بـ"الكراهية الذاتية» و"الخيانة للدولة»، معلناً عزمه العمل على سحب الجنسية الإسرائيلية من المخرجين على خلفية اتهامات بالخيانة.
كما انضم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الحملة، واعتبر الفيلم مساهماً في «التحريض اللاسامي على نطاق عالمي»، فيما هاجم وزير الأمن القومي إيتامار بن غفير المخرجين، ووصفهما بأنهما «عار وخزي»، ودعاهما إلى مغادرة إسرائيل.
وعلى المستوى العسكري، أمر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير، خلال اجتماع مع القيادة العليا، بدراسة إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية بحق الفيلم والقائمين عليه، كما وجه بتشكيل فريق متعدد التخصصات لتطوير وسائل للتعامل مع ما وصفه بـ«الادعاءات الكاذبة» ضد الجيش.
وقال زمير إن الفيلم «ليس فيلماً ينتقد الجيش الإسرائيلي ولا محاولة للوصول إلى الحقيقة»، متهماً إياه بأنه يقوم على «فرية دماء وتشويه متعمد للواقع واتهامات كاذبة وخطيرة ضد جنود وضباط الجيش»، كما أمر بفحص ما وصفها بـ"الجوانب المتعلقة بأمن المعلومات» وتحديد الأشخاص المحتمل تورطهم في تسريب مواد مصنفة استخدمت في إنتاج الفيلم.
غير أن طريقة التعامل الإسرائيلية مع الفيلم أثارت تساؤلات حول مدى استعداد المؤسسة الرسمية لمواجهة مضمون الشهادات نفسها، خصوصاً في ظل تقارير إسرائيلية تحدثت عن تحركات سبقت عرض الفيلم في مهرجان البندقية.
وبحسب تقرير نشرته «يديعوت أحرونوت»، كانت السفارة الإسرائيلية في روما على علم بمشاركة الفيلم في المهرجان قبل نحو شهر، وحاولت ممارسة ضغوط بهدف منع عرضه أو تأجيله، إلا أن إدارة المهرجان رفضت تلك الضغوط وأصرت على تنظيم العرض.
والأكثر إحراجاً، وفق التقرير، أن إسرائيل لم تتمكن من الحصول على نسخة من الفيلم أو نص مكتوب لمضمونه قبل عرضه. ولم يتعرف المتحدث باسم الجيش على تفاصيل العمل إلا بعد حضور الممثلة الثقافية في السفارة العرض وتقديم تقرير عنه، قبل أن يطلب الجيش لاحقاً من المخرجين تزويده بنسخة من الفيلم حتى يتمكن من الرد على ما ورد فيه.
وأثار ذلك مفارقة واضحة في الخطاب الرسمي الإسرائيلي، إذ جرى وصف الفيلم مسبقاً بأنه «كاذب» و"تشويه متعمد للواقع»، في حين أن المؤسسة العسكرية لم تكن قد اطلعت على مضمونه كاملاً قبل العرض، بحسب الرواية التي أوردتها الصحيفة الإسرائيلية.
ولم تتوقف الانتقادات عند هذا الحد، إذ نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين في منظومة الدعاية الإسرائيلية اعترافهم بأن الدعوة إلى سحب جنسية المخرجين ألحقت ضرراً بصورة إسرائيل أكثر مما أضعفت الفيلم.
ووفق هذه التقييمات، فإن تصريحات وزير الثقافة لم تتضمن رداً على الادعاءات التي طرحها صانعو الفيلم، بل أتاحت لمنتقدي إسرائيل القول إن الدولة تحاول إسكات النقد بدلاً من تفنيد مضمونه.
وتبدو هذه النقطة ذات أهمية خاصة، كونها صادرة عن دوائر إسرائيلية معنية بإدارة الخطاب الإعلامي والدبلوماسي، إذ تعكس إدراكاً بأن الردود الانفعالية قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، من خلال تحويل الفيلم من عمل وثائقي إلى قضية سياسية تتعلق بحرية التعبير وحق الجمهور في معرفة ما يجري داخل المؤسسة العسكرية.
كما يبرز سؤال آخر يتعلق بقدرة إسرائيل على دحض مضمون الفيلم. فحتى الآن، ركزت التصريحات الرسمية على وصف ما ورد فيه بأنه «ادعاءات كاذبة"و"فرية دماء»، من دون عرض أدلة تفصيلية تدحض الشهادات التي يقدمها العمل أو تفنيد الوقائع المحددة الواردة فيه.
وفي المقابل، نقلت «يديعوت أحرونوت» تقييماً إيجابياً للفيلم، ووصفت أسلوبه بأنه بارد ومحسوب، ويقدم روايته بصورة مقنعة ومن دون اعتماد مفرط على التلاعب العاطفي، فيما أشارت إلى أن دوافع المتحدثين تبدو مرتبطة بما وصفته بضمير مثقل نتيجة ما شهدوه أو شاركوا فيه.
ويتبنى المخرجان أبراهام وشور موقفاً سياسياً واضحاً من الحرب، إذ استخدما في حديثهما عن غزة مصطلح «الإبادة الجماعية» ووصفا ما جرى بأنه «حرب إبادة».
وهذا الموقف، بحد ذاته، يفرض على المشاهد التمييز بين الشهادات التي يقدمها الفيلم وبين التفسيرات والاستنتاجات السياسية التي يطرحها صانعاه.
إلا أن الجدل الأكبر لا يتعلق فقط بالموقف السياسي للمخرجين، بل بما تكشفه شهادات المشاركين في الفيلم عن طبيعة العمليات العسكرية وآليات اختيار الأهداف واتخاذ القرارات المتعلقة بالقصف والقتل، وما إذا كانت تلك الممارسات تمثل حالات فردية أم جزءاً من آليات أوسع داخل المؤسسة العسكرية.
وفي ظل ذلك، تحول «نازا» من فيلم وثائقي إلى اختبار جديد لقدرة المؤسسة الإسرائيلية على مواجهة شهادات من داخلها، خصوصاً أن مصادر الفيلم هم ضباط وجنود خدموا في مؤسساتها العسكرية والاستخبارية، وليسوا مراقبين أو ناشطين من خارجها.
وتضع الشهادات الـ24 المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أمام سؤال يصعب تجاوزه: إذا كانت رواية الفيلم مختلقة أو كاذبة بالكامل، فلماذا لم تُقدَّم حتى الآن أدلة مادية مفصلة تدحضها، ولماذا انصب الجزء الأكبر من الرد الرسمي على مهاجمة المخرجين واتهامهما بالخيانة والتحريض؟.
ومن هذه الزاوية، قد لا تكمن خطورة «نازا» بالنسبة لإسرائيل في مضمون الفيلم وحده، وإنما في أنه يفرض على المؤسسة العسكرية والسياسية التعامل مع شهادات من داخل منظومتها، ويضعها أمام اختبار مزدوج: دحض ما ورد في الفيلم بالأدلة، أو مواجهة تداعيات استمرار الشكوك حول تلك الروايات.
وبينما تصر إسرائيل على أن الفيلم يقوم على معلومات مضللة وتشويه للواقع، فإن الطريقة التي اختارت بها مواجهته ــ من الهجوم على المخرجين إلى التلويح بإجراءات قانونية والتحقيق في تسريب مواد عسكرية ــ دفعت النقاش، على نحو غير مقصود، إلى ما هو أبعد من الفيلم نفسه، لتصبح القضية مرتبطة بالسؤال عن مدى استعداد المؤسسة الإسرائيلية للسماح بشهادات نقدية من داخلها، ومدى قدرتها على تفنيدها بصورة موثقة.
وفي انتظار تقديم رد تفصيلي ومدعوم بالأدلة على ما ورد في الفيلم، يبقى «نازا» واحداً من أكثر الأعمال الوثائقية إثارة للجدل بشأن الحرب على غزة، فيما يبدو أن الأزمة التي أحدثها في إسرائيل لا تتعلق فقط بما قاله المخرجون، وإنما أيضاً بما قاله جنود وضباط سابقون وحاليون أمام الكاميرا، وما يمكن أن تتركه تلك الشهادات من تداعيات على الرواية الإسرائيلية للحرب.