وقد حذر جلالة الملك عبدالله الثاني مراراً وتكراراً أن التطرف والتعصب وما يتبعه من عنف وإرهاب كان وما زال سبباً في تشويه سمعة الإسلام، وبالتالي الإضرار بمصالح الدعوة الإسلامية في الداخل والخارج، كما كانت سبب زعزعة استقرار المجتمع المسلم وتهديد كيانه وإلحاق أضرار جسيمة باقتصاديات البلدان الإسلامية وأهدافها التنموية.
ولفت جلالته في أكثر من مناسبة ان التطرف لخطر عظيم على كيان الأمة الإسلامية، مستشهداً بما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم آثاره بجملة جامعة بليغة بقوله " إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" فهو هلاك على مستوى الأفراد وعلى مستوى الجماعات، أنه هلاك للأنفس والممتلكات والبلاد والعباد.
لذلك ينبغي محاربة التطرف بوسائل شتى، وبناء ثقافة الحوار وأدب الاختلاف وتعويد النفوس على قبول الآخر واحترام الرأي المخالف وتجسيد قيم التعددية والتعايش السلمي والتسامح والاعتراف بالآخر في المجتمع.
ولعل أن جلالة الملك عبدالله الثاني قد استشرف أن الوسائل الناجحة والمؤثرة للوصول إلى هذه الأهداف هي الحوار مع المتطرفين، فقد لجأت بعض الحكومات في الآونة الأخيرة إلى استخدام القوة ضد جماعات التطرف والعنف، بينما اختار البعض الآخر أسلوب الحوار، وقد برهنت التجربة أن الحوار كان أكثر تأثيراً وفعالية من استخدام القوة، حيث ان القوة تأتي أحياناً بنتائج سلبية وتزيد الفكر المتطرف صلابة ومتانة بدلاً من القضاء عليه.
واستذكر جلالة الملك عبدالله الثاني مواقف تاريخية تدلل على صحة ما دعا إليه، مستشهداً أن سيدنا عبدالله بن عباس "رضي الله عنه " قد حاور الخوارج وبسبب هذا الحوار عدل كثير منهم عن موقفهم التطرفي وانضموا إلى صفوف جماهير المسلمين.
ومن هنا نستنتج إدراك جلالته منذ زمن بعيد، أن هناك حاجة ماسة إلى تفعيل آليات الحوار الهادف والبناء مع المتطرفين لتصحيح أفكارهم الخاطئة ومفاهيمهم المنحرفة وبالتالي تحويلهم إلى شريحة صالحة في المجتمع.
وفي هذا السياق ينبغي لفت الانتباه إلى أن جلالته أعتبر أن التطرف في الدين هو فهم النصوص الشرعية بعيداً عن مقصود الشارع، وهذا التطرف يؤدي إلى إحدى النتيجتين المكروهتين وهما الإفراط والتفريط.
مبيناً جلالته أن مظاهر التطرف تتمثل في تعصب الشخص لرأيه وعدم الاعتراف بالرأي الآخر، وجموده على فهمه جموداً لا يسمح برؤية واضحة لمصالح الخلق، فالمتطرف كثيراً ما يجعل الأمور الاجتهادية أموراً مقطوعة ويقينية ليس فيها إلا قول واحد وهو قوله ورأيه.
وقد توصل جلالة الملك عبدالله الثاني إلى توصيف دقيق حينما قال ان التطرف هو الانحياز إلى طرفي الأمر، فيشمل الغلو ، لكن الغلو أخص منه في الزيادة والمجاوزة، ليس بمجرد البعد عن الوسط إلى الأطراف أو بمعنى آخر، كل غلو فهو تطرف، وليس كل تطرف غلوا.
والغلو أخص من التطرف إذ ان التطرف هو مجاوزة الحد، والبعد عن التوسط والاعتدال افراطاً أو تفريطا، قال تعالى في محكم تنزيل كتابه العزيز في سورة النساء (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم)، أي لا تتجاوزوا المقدار.
وأخيراً وليس اخراً اختتم بما قال جلالة الملك ان الإرهاب هو العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغياً على الإنسان في دينه ودمه وماله وعرضه، ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب والذعر بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم، أو تعريض حياتهم، أو حرياتهم أو أمنهم للخطر، لكن الذي كان يؤكد عليه جلالته هو أن الدفاع الشرعي عن النفس ورد المعتدي ليس ارهاباً ولا تطرفاً، بل هو في حق المسلمين الجهاد في سبيل الله، إذا كانت خاضعة للضوابط الشرعية التي قررها علماء الأمة.