أول أرض مس جلدي ترابها. لم أبحث عن ماضيها، بل عرفت بيوتها المعدودة بيتا بيتا، وشوارعها الترابية المغبرة صيفا والموحلة شتاء. عرفت ناسها، الأولاد الذاهبين إلى مدرسة مكونة من ثلاث غرف طينية، واحدة للمعلمين واثنتان تجمع كل منهما ثلاثة صفوف لا يزيد عدد طلابها على عشرين. عرفت رجالها الذي يجلسون على «السناسل» أمام الدكاكين، أو خلف الجامع الوحيد يتبادلون الأحاديث التي قد يؤدي بعضها إلى شجار عنيف ينتهي بصلح، يكون مقدمة لولائم تنتقل من بيت إلى بيت. عرفت بيوت المخاتير الثلاثة التي تنبعث منها بعد العصر رائحة القهوة العربية داعية تابعيها إلى الحضور.
تأملت شوارع القرية التي تعج بالغبار صيفا، وتغرق في الوحل شتاء، بعضها كان مليئا بالصخور التي تتطلب منا مهارة في القفز وكيفية التجاوز. عاينت كثافة نباتات الصبر التي كانت تنتشر في ساحات البيوت، وتجبرنا على الصبر على أشواكها الناعمة والحادة، وغابات البلوط التي تحيط بالقرية، والتي لا يعرف عمرها الحقيقي، تلك التي كانت تؤمن بحطبها وقود الشتاء، وبثمارها بعض المتعة المسلية والمغذية التي تشبه الكستناء. أشجار البلوط هذه معمرة، بعضهم يقدر عمرها بمئات السنوات. وثمة بعض أشجار الزيتون المعروفة بالزيتون الرومي. وكان ثمة شجرة خروب وحيدة، تقع شرق جنوب القرية غير بعيد من عين الماء التي تفيض في الشتاء، وتجف أحيانا في الصيف.
كنت أتأمل النساء ذوات الثياب السود الطويلة التي تغطي الجسم حتى الكاحلين، النساء اللواتي يحضرن الماء من عيون الماء البعيدة، أو من آبار القرية الموزعة في أرجائها الأربعة، وعلى رؤوسهن «سطول» الماء الذي يتسرب، ويغسل الوجوه. كن في رحلة بعث الحياة. النساء الخارجات من الأفران وعلى رؤوسهن أوعية القش المليئة بأرغفة الخبز الشهية، كن معفرات بالرماد الممتزج بالعرق الذي يتصبب من أجسادهن. كان هذا المشهد قريبا من صور فرت من إطار أسطوري بعيد. وكان الرجال بانتظار الماء والخبز.
للنساء مهن وأعمال مقصورة عليهن: إحضار الماء، وإعداد الخبز بمراحله العديدة، والطعام بصنوفه المحدودة، والعناية بالماشية وحلبها، ومتابعة رحلة الحليب إلى سلسلة من المشتقات، ورصع الزيتون وحفظه في أوعية فخارية، لم تكن أوعية البلاستيك الرديئة قد سادت، وصنع المربيات من التين والعنب، إن أسعف الحال على ذلك، والعناية بالأطفال، وغسيل ملابس العائلة وترقيعها، وإعداد الفراش المعد من الصوف أو القطن والقماش. والعناية بنظافة البيت، والالتفات إلى جماليات تظهر في الوسائد في صورة خطوط حروفية تتمنى للنائمين الهنا، أو «تصبحون على خير»، وفي تهديب الشماغ الأحمر المحبوب. وتخصصن كذلك في نسج سيقان القمح، لتغدو أوعية جميلة ملونة تحتض أرغفة الخبز، وتتسع للقمح أو للحبوب بأنواعها، وقد تكون أشكالا دائرية ملونة ينظر إليها بوصفها عناصر جمالية، يعلق بعضها على جدران الغرفة.
ولا يتوقف الأمر على هذه المهن والأعمال المتعددة فقد كن يرافقن الرجال في الحقول زارعات وحاصدات، ومدبرات لطعامهم. وقبل هذا كله كن يحملن الأجيال، ويلدنهم ويقمن بتربيتهم.
أحاول أن أبحث عما بقي للرجال من مهن وأعمال: الحراثة، والزرع، والحصد، والجلوس على «السناسل» الحجرية أمام الدكاكين التي يشترون منها بعض بضائعها البائسة، والاشتراك في المعارك المحلية التي تبدأ بالكلام، وتنتهي بالكلام المتبوع بالطعام.
وعرفت دكاكين القرية التي لم تزد على أربع، والتي كانت بضائعها محدودة نوعا وكما. ويضاف إلى وظائفها تجمع الرجال وجلوسهم على الحجارة المنتشرة أمامها على غير نظام، يتبادلون الأحاديث التي عن واقعهم الجميل، ولا تنتهي إلا بمناقشة القضايا الكونية الكبرى. حكاية صعود الأمريكان إلى القمر التي تنتهي بحكاية مشهدية ممتعة: يمر شاب دون غطاء الرأس، فيحتج أحدهم على ذلك، يجيب الشاب: «الناس وصلت القمر وأنتم تسألون عن تغطية الرأس». ينفعل السائل ويعري رأسه قاذفا «الشورة والعقال» على الأرض محتجا بصوت حجاجي مجلجل: «هاي شْلِحْنا.. شو رأيك.. وصلنا القمر؟». يضج الجمع بالضحك إعجابا بمنطق ملجم، وبرهان لا يرد.
وشهدت يوميا، بحكم موقع بيتنا، القريب من المراح، قطعان الأغنام والأبقار وهي في طريقها إلى المراح مثيرة التراب وتاركة خلفها رائحة حادة لا تغيب، وهي متبوعة بمن يسوقها، وبمن يتبعها لكي يفيد من مخلفاتها التي تستعمل بعد جفافها وقودا، وتأملت حال الرعيان المزودين بأرغفة خبز، وعصي يهشون بها على أغنامهم، وربما كان لهم فيها مآرب أخرى، وبقصبات الناي أو الشبابة التي تحفظ القطعان ألحانها.
كانت قطعان الأغنام والأبقار تتبعهم، وثغاؤها وأجراسها تملأ الفضاء بأصوات لم تكن تزعجني، فقد كانت مألوفة، وجزءا من إيقاع الحياة في القرية. لقد كانت حاجة الناس إليها ماسة، فهي تمنحهم الغذاء، وتمدهم بأصواف يصنعون منها فراشهم وأغطيتهم، وعنصرا مهما من الوقود الذي يستعمل في غير مجال. تأملت كثيرا «الفطايم» التي لا تخطئ في معرفة أمهاتها، والأغنام التي تحفظ بيوت أصحابها عن ظهر قلب، دون خطأ.
وعشت لحظات الوجبة الأولى: الشاي والكعك، أو الخبز نتناوله على عجل، للذهاب إلى المدرسة. كنا نلبس ثيابا موحدة باللون الكاكي، والشكل السفاري، وهي خاصة بالمدرسة طيلة سنة كاملة، قد تغسل بحسب الحاجة، لكنها لم تعرف شيئا اسمه الكوي. المدرسة لم تكن محبوبة أو جذابة، لأن ما ينتظرك فيها ليس العلم والمعرفة فقط، بل كانت مقترنة دوما بعصي من أنواع متعددة، وهي جزء من عدة المعلمين التي يستعملونها في صور وحالات لا تخضع لقانون، بل ربما كان بعضها يفعل حسب الرغبة. وكنت أحفظ دروسي، وأعد واجباتي؛ لكي أتخلص من عقاب متوقع، لكني لم أكن أنجو منه تماما.
حين كان ينتهي يوم المدرسة الطويل كنا نخرج فرحين، كمن خرج من سجن. وفي الطريق إلى بيوتنا ذات الغرفة الواحدة والنصف غرفة، أو الغرفتين على أكثر تقدير، كنا نتعارك ونتسابق. نصل، وقد نجد وجبة لم تكن بالضرورة ساخنة، ولكننا في كل الأحوال نتزود بطعام يمنحنا القوة على متابعة اللعب بعيدا عن أعين المعلمين الذين لم تكن سلطتهم محصورة داخل المدرسة. وكان علينا أن نقوم بالواجبات التي بدا بعضها انتقاميا، مثل نسخ الدرس عشر مرات مثلا.
قضيت الصف الابتدائي الأول في مدرسة القرية التي كانت بعيدة نسبيا عن بيتنا، وفي نهاية السنة أوقفنا المعلم في صف، لا أذكر كما كان عددنا، وقال لي ولصبي آخر: «أنت الأول، وأنت الثاني». لم يترك ذلك في نفسي أي إحساس بالفرح.
في بداية العام التالي كان أسرتي بحكم عمل والدي في الجيش قد انتقلت إلى الزرقاء، وتحديدا إلى الغويرية، وتركت عند أقربائنا في القرية. شعرت بأنني لا املك مكانا بيتا، وغدوت تائها. لكن وبعد فترة وجيزة وجد لي أبي مدرسة خاصة مختلطة ألتحق بها، بعد أن كانت المدارس الحكومية غير قادرة على استقبال طالب وحيد هو أنا. كانت تلك المدرسة التي ليس فيها سوى شيخ واحد يلبس ثوبا عربيا، ويجلس خلف طاولة مرتفعة، منصة للرعب، وكانت أعداد من فيه لا تجاوز العشرة ذكورا وإناثا. وإذا أراد الشيخ معاقبة أحد فهو لا ينهض من مكانه، بل يطلب من ولد اسمه عبد الله أن يقرب المعاقب، دون سبب، كما أذكر، ويصفعه أو يضربه بالعصا. كنت أشعر أن الذهاب إلى بيت ذلك الشيخ رعب أعاني منه كل يوم. وجدت حلا للخلاص منه، أغادر المكان مع أول فرصة، ولا أعود إليه. لكن الشيخ قدم تقريرا لأبي، أهم ما فيه أنني أخرج من الفرصة ولا أعود، فنالني عقاب مزدوج.
جاء الخلاص بانتقال كتيبة والدي إلى أريحا. كنت كمن خرج من سجن.