تخطَّ إلى المحتوى
عمّان —

الملك عبدالله الثاني وكلفة أن يكون الأردن موثوقاً

توقفت عند عبارتين متجاورتين في الخطاب. قال الملك إن «الأردن بلد يمكن للعالم الاعتماد عليه»، ثم حذّر، في حديثه عن التمسك بالدبلوماسية: «ولا ينبغي لأحد اعتباره أمراً مسلّماً به». وبين العبارتين، في تقديري، تختصر معادلة أردنية دقيقة: يستطيع العالم أن يثق بثبات الأردن واتزانه وحرصه على السلام، لكن ذلك لا يعني أن قدرته على استيعاب تداعيات أزمات المنطقة بلا حدود.

في إدارة الأزمات الدولية إغراء معروف؛ أن تتجه الضغوط والمطالب نحو الطرف الأكثر عقلانيةً والأيسر تفاهماً، فيما تتأخر مواجهة الأطراف التي تنتج الأزمة أو تزيدها تعقيداً. وقد يبدو ذلك عملياً في لحظته، لكنه مع الوقت يجعل الاعتدال نفسه عبئاً على أصحابه، ويحمّل الدولة الأكثر حرصاً على الاستقرار مسؤوليات تتجاوز دورها وإمكاناتها.

وهنا تظهر أهمية الرسالة الملكية. فمعرفة الشركاء بأن الأردن حريص على الاستقرار يفترض أن يدفعهم إلى أخذ تحذيراته ومصالحه بجدية أكبر، لا إلى افتراض أنه قادر دائماً على استيعاب ما يجري حوله. فالثقة بالدولة الأردنية ينبغي أن تكون مدخلاً لدعم قدرتها على الاستمرار في دورها، لا سبباً لإضافة مزيد من الأعباء عليها.

ومن هنا أيضاً يضع الخطاب، بصورة هادئة، مسؤوليةً أمام أصدقاء الأردن وشركائه: ماذا يفعل العالم لكي يبقى الاعتدال خياراً قابلاً للاستمرار؟ فالملك عبدالله الثاني، وهو يؤكد ثبات الأردن، يذكّر في الوقت ذاته بأن المسؤولية لا يمكن أن تكون في اتجاه واحد. والشريك الموثوق يحتاج بدوره إلى شركاء يدركون مصالحه وهواجسه، ويتعاملون معه بالجدية ذاتها.

وتزداد هذه القراءة وضوحاً عندما يضع الملك القيم الإنسانية في صميم الحديث عن الدبلوماسية. فالدبلوماسية ليست غايةً بذاتها، وإنما وسيلة لحماية البشر وفتح الطريق أمام الحلول. وحين تطول الأزمات وتتعاظم كلفتها الإنسانية، تصبح المحافظة على جوهر الدبلوماسية وغايتها أكثر أهميةً من الاكتفاء بإدارة الأزمة يوماً بعد يوم.

ثم تأتي الحدود الشمالية والمياه لتمنح هذه الرسالة معناها الأردني المباشر. فالملك يربط أي تهديد لهما بالأمن القومي الأردني، ويؤكد حماية مصالح الشعب. وهنا ينتقل الخطاب من المبادئ العامة إلى مصالح الدولة ومواطنيها؛ فالمياه التي تصل إلى البيت الأردني، وأمن العائلات القريبة من الحدود، ليستا تفصيلاً في حسابات الإقليم، بل جزء من صميم الأمن الوطني الأردني.

وفي ذلك دقة واضحة في خطاب الملك عبدالله الثاني؛ فقد أبقى باب التعاون والحوار مفتوحاً، وفي الوقت نفسه رسم حدوداً واضحة لما يمكن للأردن تحمله. وهذه معادلة رجل دولة يعرف أن قوة الموقف ليست في ارتفاع نبرة الخطاب، بل في وضوح المصالح، ودقة الرسائل، والقدرة على الجمع بين الدفاع عن الدولة والمحافظة على فرص الحل.

ولا يبدو الخطاب إعلاناً عن تغيير في نهج السياسة الأردنية بقدر ما هو تأكيد لشروط نجاح هذا النهج. فالأردن ما يزال متمسكاً بالحوار والعمل من أجل السلام، لكنه يقول لشركائه إن حماية السلام تحتاج إلى معالجة أسباب الأزمات، لا الاكتفاء باحتواء نتائجها. ومن يريد للأردن أن يبقى شريكاً فاعلاً في التهدئة، عليه أن يساعده في حماية البيئة التي تجعل هذا الدور ممكناً.

فالإشادة بصمود الأردن واستقراره تكتسب معناها الحقيقي عندما تقترن بسياسات تحمي هذا الاستقرار. كما أن تقدير حكمة الدولة الأردنية ينبغي أن ينعكس في أخذ تحذيراتها ومصالحها على محمل الجد، خصوصاً عندما تتصل مباشرةً بأمن الأردنيين ومواردهم ومستقبلهم.

وفي ذلك أيضاً دفاع عن حق الأردنيين في أن يلمسوا ثمرة السياسة المتزنة التي انتهجتها دولتهم. فالدولة التي نجحت، بقيادة الملك، في عبور أزمات متلاحقة وحماية شعبها من كثير من ارتدادات الإقليم، من حقها أن تجد من شركائها تفهماً أكبر لأولوياتها، ودعماً يحمي قدرتها على الاستمرار، ومساحةً أوسع للتنمية بدلاً من استنزاف الموارد في مواجهة أزمات لا تنتهي.

ربما لهذا كانت العبارة الملكية شديدة الدلالة: العالم يستطيع الاعتماد على الأردن. وهي شهادة بثبات دولة أثبتت، في أكثر من محطة، قدرتها على أن تكون صوتاً للعقل والاتزان في منطقة مضطربة. لكن اكتمال هذه المعادلة يحتاج إلى أن تكون الثقة متبادلةً؛ فالأردن الذي كان شريكاً يمكن الاعتماد عليه، يستحق بدوره شركاء يدركون أن حماية استقراره ومصالحه ليست خدمةً للأردن وحده، بل استثمار في استقرار المنطقة بأسرها.

لديك معلومات إضافية عن هذا الخبر؟ارسل خبراً

اسأل هذا التقرير

AI

اطرح سؤالاً عن هذا التقرير — الإجابات تستند إلى نصّه.

الإجابات تجريبية ومستندة إلى تغطية الرأي. يستهلك كل سؤال نقطتين.

أسئلة مقترحة