وقد أدرك المشرع الأردني هذه الحقيقة عندما أجاز استخدام التقنيات الحديثة في إجراءات التحقيق والمحاكمة إذ نصت الفقرة الثانية من المادة 158 من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 9 لسنة 1961 وتعديلاته على جواز استخدام المدعي العام أو المحكمة للتقنيات الحديثة في إجراءات التحقيق والمحاكمة دون المساس بحق المناقشة وبما في ذلك محاكمة النزيل عن بُعد من مركز الإصلاح والتأهيل وفقاً للنظام الصادر لهذه الغاية.
وهنا تبرز أهمية العبارة التشريعية "دون المساس بحق المناقشة" باعتبارها ليست عبارة شكلية وإنما تمثل صمام الأمان الذي يحول دون تحول التقنية إلى حاجز يفصل المتهم عن قاضيه أو عن وكيله أو عن حقه في مناقشة الأدلة والشهود. فالمحاكمة عن بُعد يجب أن تحقق في جوهرها ذات الضمانات التي تحققها المحاكمة الحضورية وأن تمكن المحكمة من رؤية الشخص وسماعه بصورة واضحة وأن تتيح للخصوم ممارسة حقوقهم الإجرائية بصورة فعلية لا صورية.
ومن أهم الضمانات التي ينبغي مراعاتها في هذا المجال التحقق من هوية الشخص الموجود أمام الشاشة والتأكد من سلامة الاتصال وجودة الصوت والصورة وضمان عدم وجود أي تأثير خارجي على إرادة المتهم أو الشاهد وتمكين الدفاع من ممارسة حقه في المناقشة وطرح الأسئلة والاعتراضات وفقاً للقانون. وقد أكدت وزارة العدل أن تطبيق المحاكمة عن بُعد يقوم على توفير الوسائل والضمانات اللازمة للتحقق من هوية الشخص وسماع أقواله بصورة واضحة والتثبت من عدم وجود ما يؤثر في إرادته.
ولا تقف أهمية هذه التقنية عند محاكمة النزلاء بل تمتد إلى سماع الشهود الموجودين خارج البلاد أو في أماكن بعيدة وهو ما يسهم في اختصار الوقت والجهد وتسهيل إجراءات التقاضي. وقد أتاحت منظومة المحاكمات عن بُعد في الأردن بالفعل سماع شهود من خارج البلاد بما أسهم في تسريع الإجراءات القضائية.
إن التحدي الحقيقي أمام القضاء في المرحلة الرقمية ليس في إدخال التكنولوجيا إلى قاعات المحاكم وإنما في تحقيق المعادلة الدقيقة بين العدالة الناجزة والعدالة العادلة فالتقنية يجب أن تكون خادمة للعدالة لا بديلاً عن ضماناتها.
ومن هنا فإن المحاكمة عن بُعد تمثل تطوراً مهماً في منظومة العدالة الأردنية متى ظلت محكومة برقابة القضاء واحترام حقوق الدفاع ومبدأ المواجهة وحق المناقشة لأن العدالة لا تقاس بسرعة الوصول إلى الحكم فحسب وإنما بمدى اطمئنان المتقاضي إلى أن الحكم صدر بعد محاكمة حقيقية كفلت له جميع حقوقه القانونية.